عمر يوسف-حلب

يودع حسام أسرته كل صباح، قبل أن ينطلق إلى عمله كسائق سيارة أجرة بمدينة حلب، متجولا فيما تبقى من شوارع المدينة التي توصف بأنها شبه آمنة، وبعيدة عن مناطق الاشتباكات، ليتلقف رزقه بصعوبة بعد عزوف الكثيرين من السكان عن الركوب في سيارات الأجرة الباهظة، كما يقول.

ويسكن حسام (36 عاما) في حي سيف الدولة بمناطق سيطرة النظام، وهو أحد الأحياء التي تدور في أطرافها المعارك بين المعارضة المسلحة وجيش النظام السوري، ويقع منزله على بعد مئات الأمتار من الخط الفاصل بين طرفي النزاع، ما يعرضه وأسرته للخطر بشكل دائم.

يقول "آثرت وأسرتي البقاء في منزلنا على الرغم مما نتعرض له من الخطر كل يوم، الاشتباكات في الليل لا تهدأ أبدا، وبالكاد نستطيع النوم، وفي كل صباح أودع زوجتي وأطفالي الأربعة، وينتابني شعور دائم بالقلق والخوف عليهم، فلا أعلم متى تعود تلك الاشتباكات وتسقط إحدى القذائف في الحي ويصاب أحد ما بمكروه".

ويكمل "فكرنا كثيرا في ترك منزلنا لكن لا سبيل لنا للخروج من الحي على الإطلاق، فأسعار إيجارات المنازل في الأحياء الآمنة مرتفعة جدا، وما أجنيه من سيارة الأجرة بالكاد يكفي مصروف أسرتي من الطعام والشراب والحاجيات الضرورية، لذلك نتحامل على أنفسنا ونصمت".

عشرات الأسر الفقيرة مثل عائلة حسام تحاول التعايش مع واقعها بهذا الحي، في ظل الحرب التي تدور رحاها بالمدينة منذ أكثر من ثلاثة أعوام، وسط غياب شبه تام لأساسيات الحياة، فالكهرباء تزور الحي ساعة كل يوم والماء يأتي لساعات قليلة ضمن أيام غير معلومة، ما يجبر تلك الأسر على شراء الماء وتوفير بديل للكهرباء التي تقدمها حكومة النظام.

أبو إبراهيم (50 عاما) -وهو موظف حكومي- يقول للجزيرة نت إن معظم السكان يعتمدون على شراء الماء من أصحاب الصهاريج الخاصة، أما الكهرباء فيتم الاعتماد على المولدات التي يقدمها المستثمرون بأسعار كبيرة، مضيفا أنه يدفع شهريا أكثر من 15 ألف ليرة سورية (أي ما يعادل خمسين دولارا) ثمنا للكهرباء البديلة، وهو ما يكلفه نصف مرتبه الشهري الذي يحصل عليه.

 آثار الدمار بمنازل المدنيين الواقعة على خطوط التماس في حلب (الجزيرة)

سجن عسكري
في المساء، تخلو الشوارع من المارة كأنه حظر للتجول، ويعلو صوت الرصاص، ويشاهد السكان عناصر الشبيحة المقاتلين في صفوف النظام متوجهين للقتال في نقاط التماس. وفي الصباح ينطلق السكان إلى أشغالهم وكأن شيئا لم يكن، إلا إذا سقطت إحدى القذائف العشوائية، فيهرع الناس إلى بيوتهم ويغلق أصحاب المحال محالهم ريثما يعود بعض الهدوء.

وتحكم قوات النظام قبضتها الأمنية على جميع الأحياء المتاخمة لمناطق سيطرة المعارضة، حيث تنتشر عدة حواجز عسكرية على أطراف تلك الأحياء، ويمنع دخول الغرباء، في حين يتم دخول السكان وفق ورقة أمنية تثبت ملكيتهم لأحد المنازل، ويخضع الجميع للتفتيش الدقيق أثناء الدخول. كما يمنع دخول وخروج أحد بعد ساعات محددة من الوقت.

سامي (32 عاما) -وهو مدرس يسكن حي صلاح الدين- يروي معاناته اليومية للجزيرة نت قائلا "نعيش هنا داخل هذا الحي أشبه بالسجن العسكري الكبير، الجميع يخضع للتفتيش من الصغير حتى الكبير، وبحكم عملي أجبر في بعض الأوقات على العودة متأخرا إلى المنزل متجاوزا الوقت المحدد للدخول ما يعرضني للاستجواب وكأنني متهم".

أما المنازل الأكثر قربا من خطوط التماس فقد حولتها عناصر جيش النظام إلى نقاط عسكرية، وتبدو عليها آثار الدمار الكبير جراء القصف والمعارك المستمرة.

يقول عمر، أحد سكان حي الإذاعة، إن مجموعة من جنود النظام تتربص بمنزله منذ ثلاث سنوات، وترفض السماح له بالدخول إليه، أو إخراج أي شيء منه بحجة الحرص على سلامته، مشيرا إلى أن نوافذ منزله تحولت إلى مراصد قناصة.

المصدر : الجزيرة