رغم مرور نحو خمس سنوات على الثورة التونسية، فإن عددا من عائلات الضحايا والمصابين يجدون أنفسهم اليوم أمام معاناة مضاعفة بعدم استفادتهم من تعويضات وخروج المتسببين في معاناتهم بأحكام مخففة من المحاكم العسكرية.

خميس بن بريك-تونس

بإحساس يفيض بحزن عميق، يمسك حسن القرامي وزوجته راضية صورة ابنهما أيمن الذي قتل برصاص قناص في أحداث الثورة التونسية، وهما يشعران بخيبة كبيرة بسبب ضياع حقه بعد صدور أحكام مخففة في حق قاتله من قبل القضاء العسكري.

يقول حسن إن ابنه قتل يوم 17 يناير/كانون الثاني 2011 بعد ثلاثة أيام من فرار الرئيس المخلوع زين العابدين، برصاص قناص عسكري عندما كان يعمل كموظف سجون يرافق موقوفين كانوا يتلقون العلاج في أحد مستشفيات محافظة بنزرت شمالي البلاد.

ورغم أن التحقيقات كشفت أن جنديا قتله متعمدا، فإن الأحكام التي صدرت بحق القاتل انخفضت من خمسة أعوام مع وقف التنفيذ في الدرجة الأولى إلى سنتين سجنا مع وقف التنفيذ في الاستئناف، ثم سنة سجن مع وقف التنفيذ في درجة النقض النهائي.

يائسة ومكسورة كانت والدة أيمن تذرف دموع القهر لضياع حق ابنها، مسترجعة صورته المنحوتة في ذاكرتها التي أبت نسيانه رغم مضي خمس سنوات على الثورة عاشت خلالها مرارة التنقل والانتظار في المحاكم العسكرية "دون إنصاف".

يقول حسن القرامي للجزيرة نت إن عائلات ضحايا الثورة خسروا أبناءهم وخسروا قضاياهم لدى المحاكم العسكرية التي "سعت منذ البداية لإطالة القضايا وإنهاك عائلات الضحايا وإحباط عزائمها عن قصد لغلق الملفات نهائيا".

وعن مصلحة المحاكم العسكرية في ذلك، يرى حسن -وهو نقيب متقاعد بوزارة الداخلية كان ممارسا لعمله خلال الثورة- أن الجيش كان متورطا عقب هروب الرئيس المخلوع في قتل مدنيين، وأنه كلف محاكمه العسكرية بالتستر على أفعاله.

حسن وزوجته راضية يحملان صورة ابنهما أيمن الذي قتل برصاص قناص أثناء الثورة (الجزيرة نت)

وبقطع النظر عن نتائج المسار القضائي فإن عائلات ضحايا الثورة يعبرون بكثير من السخط على تنصل الدولة من التكفل بملفاتهم الصحية والاجتماعية، ذلك أن جزءا منهم لم يتحصل على تعويض مادي ولا على علاج ولا حتى على شغل.

فمروان بوحاجب اضطر للعلاج على نفقته الخاصة رغم أنه أحد جرحى الثورة تعرض للتعذيب من قبل أمنيين تسببوا له في كسر فكه الأسفل وكسر كتفه الأيسر وأصابعه اليسرى بسبب نشره تسجيلات على مواقع التواصل الاجتماعي أثناء أحداث الثورة.

وقال بوحاجب إنه -بعد مرور خمس سنوات على الثورة- لم يتم تحديد نسبة الأضرار البدنية في جسمه للحصول على تعويض، مشيرا إلى أن جزءا من جرحى الثورة لم يتلقوا علاجا من قبل الدولة وحرموا من التمتع بوظائف أو منح اجتماعية.

وأكد بوحاجب (25 عاما) أنه يفكر حاليا في الهجرة إلى كندا بعدما سئم العيش في مدينته سيدي بوزيد التي انطلقت منها شرارة الثورة، قائلا بلهجة يغلب عليها الشعور بالغبن "لم يتحقق أي شيء بعد الثورة ولم تتوفر أي ظروف لتحسين معيشتنا".

ووفقا للمحامية ليلى الحداد التي رافعت كثيرا في ملف ضحايا الثورة، فإن "القضاء العسكري كرس حالة الإفلات من العقاب وعدم المحاسبة"، وأكدت أنه لم يقع إنصاف ضحايا الثورة على المستويين الجزائي أو الاجتماعي.

أيمن بوحاجب يفكر في الهجرة لشعوره
بعدم تغير الأوضاع عقب الثورة
(الجزيرة نت)

خيانة للشهداء
وقالت ليلى للجزيرة نت إن "أكبر دليل على خيانة ملف شهداء وجرحى الثورة هي الأحكام المخففة التي صدرت بحق من تورطوا في القتل، ففي أبريل/نيسان 2014 قررت المحاكم العسكرية إطلاق جميع القيادات الأمنية التي كانت تساند بقاء نظام الرئيس المخلوع".

ورغم أن محكمة التعقيب (النقض) رفضت منذ أشهر هذه الأحكام وطلبت إعادة النظر في القضايا من جديد، فإن المحامية اعتبرت أن إعادة النظر في القضايا مجددا أمام القضاء العسكري ودون حضور محامي الضحايا، "بلا معنى".

وفي وقت كانت تتوقع فيه أن تكرم باعتبارها كانت تعكف مع محامين آخرين في المحاكم العسكرية للدفاع عن الضحايا، تفاجأت ليلى باتهامها من قبل وزارتي الدفاع والداخلية بنشر وثائق تتهم فيها الجيش والأمن بأنهما وراء قنص المتظاهرين.

واعتبرت أن هذه التهم سياسية تعيد إلى الأذهان التهم التي كان يلفقها بن علي لخصومه، مشيرة إلى أن هناك نية لتكميم الأفواه ومنع المساعي الرامية إلى المطالبة برد الاعتبار والحقوق لعائلات ضحايا الثورة، وأكدت أنها لن تستسلم لهذه المحاولات.

في المقابل، قالت كاتبة الدولة المكلفة بملف ضحايا الثورة ماجدولين الشارني إنه رغم تفهمها لغضب أهالي الضحايا من التباطؤ في مسار ملفهم، فإنه سيتم قريبا إعلان قائمة نهائية بالضحايا حتى تصرف لهم تعويضاتهم.

وأكدت الشارني أن الدولة تسعى لرد الاعتبار لهم عبر تعليم أبناء الضحايا والعناية بالأرامل والجرحى.

المصدر : الجزيرة