تعددت الحوادث التي تشير إلى أن النظام السوري وحلفاءه باتوا يبحثون بعد خمس سنوات من الأزمة عن "سوريا المفيدة"، فهم يختارون مدنا وأحياء لعقد اتفاقات هدن، ويقصفون مناطق محددة بعنف لتهجير أهلها، ويعرضون أضعاف ثمن المنازل والأراضي لأصحابها للتخلي عنها.

لم يكن اتهام رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو روسيا بتنفيذ "تطهير عرقي" في مناطق التركمان بسورياتصريحا منعزلا، إذ يبدو أنها سياسة انتهجها النظام وحلفاؤه منذ خمس سنوات بحثا عن "سوريا المفيدة".
واللافت في كلام المسؤول التركي -الذي نفاه الروس- إشارته إلى أن "موسكو تريد طرد السكان التركمان والسنة المناوئين للنظام لحماية قواعد النظام وروسيا في اللاذقية وطرطوس".

 وتداولت وسائل إعلام موالية مصطلح "سوريا المفيدة" بكثرة، في إشارة إلى المناطق الخاضعة لسيطرة النظام والتركيز على دمشق وحمص وريفهما، فضلا عن حماة والساحل.

أدوات التهجير
ويبدو أن هذا المخطط ينفذ عبر عدة سبل، منها: القصف، والتنكيل، والترهيب والترغيب، وأبرز هذه الأدوات هي الهدن بين النظام والمعارضة.

وكان آخرها هدنة حي الوعر بحمص التي قضت بخروج أكثر من ثمانمئة شخص -معظمهم مدنيون، وبينهم نحو أربعين مصابا، إضافة إلى ثلاثمئة مقاتل رافضين للهدنة- إلى شمال سوريا.

وقبل الوعر كان هناك اتفاق هدنة الزبداني بين المعارضة من جهة وإيران وحزب الله من جهة أخرى والذي فشل عدة مرات، وكان السبب -بحسب حركة أحرار الشام- مشروع نقلته الأمم المتحدة إلى الحركة بطلب من طهران يقضي بـ"مبادلة أبناء الفوعة وكفريا الشيعيتين بسكان الزبداني السنة والمسيحيين".

كما نقل المعارض السوري ميشال كيلو أن هناك "مشروع ترحيل سكان غوطتي دمشق والقلمون من مناطقهم، واستبدالهم بآخرين من شمال سوريا، وبمرتزقة لبنانيين وإيرانيين وأفغان يتحولون إلى جزء من كتلة طائفية متراصة".

وشهدت مناطق عدة -خاصة في دمشق وريفها- هدنا بأشكال مختلفة، بداية من تطبيق اتفاق مصالحة في حي القدم الدمشقي، وإيقاف إطلاق النار والسماح بدخول مساعدات إغاثية إلى مخيم اليرموك قبل أن يتجدد القتال فيه، وحصلت في أحياء برزة بدمشق وببيلا ويلدا في ريفها مصالحات مشابهة فرضها النظام.

أما الاتفاق الأبرز فشهدته أحياء حمص القديمة بعد خروج مقاتلي المعارضة من هذه الأحياء وتسليم أسلحتهم في مايو/أيار من العام الماضي بعد اتفاق هدنة مع قوات النظام التي اشترطت مغادرتهم مقابل إيقاف قصف تلك الأحياء، والسماح بإدخال مساعدات إغاثية إليها.

أرقام صادمة
والأخطر ما تحدث عنه نشطاء، وهو "أعمال هندسية وإنشائية ضخمة جدا في عدة مناطق، بينها القلمون، حيث اعتقد أبناء المنطقة أنها قواعد عسكرية، لكن غرباء تدفقوا عليها من لبنان والعراق وإيران وأفغانستان والصين".

وتزايدت تجارة العقارات في دمشق وجوارها إلى درجة لافتة، حيث يدفع الشاري أضعاف ثمن الأراضي والمنازل ليغري أصحابها بالتخلي عنها. 

وتشير المصادر الغربية إلى أن نحو نصف الشعب السوري باتوا لاجئين أو نازحين منذ عام 2011، فيما تقدر الأمم المتحدة عدد اللاجئين بـ4.2 ملايين ولكن الرقم يرتفع لقرابة 5.3 ملايين بحسب منظمات إنسانية، أما عدد النازحين فيتجاوز 6.5 ملايين.

وتلفت الأرقام إلى أن القصف الروسي في حلب خلف مئتي ألف لاجئ إضافي خلال الشهرين الماضيين، ونزوح نحو 95% من سكان جبلي الأكراد والتركمان.

والمثير أن أغلب اللاجئين يفرون من مناطق سيطرة المعارضة نظرا للقصف المكثف الذي يشنه النظام السوري والقوات الروسية عليها، فيما مناطق تنظيم الدولة أكثر أمنا من مناطق المعارضة، ومناطق سيطرة النظام هي الآمنة على الإطلاق.

video
حرب طائفية
وعلى الرغم من أن الأرقام تتحدث عن سيطرة النظام على 17% من البلاد مقابل أكثر من 50% لتنظيم الدولة يكشف التدقيق بها أن أكثر من عشرة ملايين شخص (63% من السكان) يعيشون في مناطق سيطرة النظام، فيما يعيش نحو ستة ملايين في المناطق التي يسيطر عليها التنظيم والأكراد والثوار.

ويدفع العرب السنة في سوريا الثمن الأكبر من هذا التطهير العرقي لأن أغلبهم يعيشون في المناطق التي تسيطر عليها المعارضة، ويقدر معهد واشنطن نسب السكان في سوريا في عام 2015 بعد عمليات الهجرة والتهجير والنزوح منذ بداية الأزمة بـ61% للعرب السنة مقابل 16% للأكراد و22% من الأقليات الدينية.

ويقول المعهد إن مناطق النظام هي الأكثر تنوعا طائفيا ولكن هذا لا يعني أنه مرتاح لهذا الواقع، وفي حال أراد أن يفرغ مناطقه  "فعليه طرد ملايين السنة من مناطقه لإحداث توازن القوى مع الأقليات التي تدعمه، كما عليه أن يقسم السنة، ويعيد توزيع الأراضي والمنازل التي تركها اللاجئون ومنحها للسنة الذين يؤيدونه".

ويلخص المشهد أن الأزمة السورية تحولت "لحرب طائفية، والتطهير العرقي جزء لا يتجزأ من إستراتيجية تعتمدها جميع الأطراف".

المصدر : وكالات,الجزيرة,مواقع إلكترونية