حواره: عبد الجليل البخاري-شيكاغو

قال الرئيس التونسي السابق محمد منصف المرزوقي إن "عملية الخراب والحرب في المنطقة العربية ستستمر، وتدمر الأنظمة السياسية التي قادت المنطقة لهذه الأوضاع"، مؤكدا أن ملامح النظام السياسي العربي المقبل ما زالت غير واضحة، لكنه توقع أن تتمخض السنوات المقبلة عن مفاجآت في المنطقة.

ولاحظ المرزوقي أن القضية الفلسطينية هي أصل كافة المشاكل التي تواجهها المنطقة حاليا، مشددا على أهمية المشاركة العربية القوية في أسطول الحرية الرابع لفك الحصار عن غزة.

ورفض الحديث في حوار مع الجزيرة نت، لأسباب أمنية وسياسية، عن تهديدات الاغتيال الموجهة إليه والوضع في تونس.

وفي ما يلي نص الحوار:

 بوصفك رئيس دولة سابقا، وناشطا حقوقيا وسياسيا عربيا، كيف ترون الوضع الحالي للقضية الفلسطينية في ظل التطورات الإقليمية والدولية الحالية بمنطقة الشرق الأوسط؟

القضية الفلسطينية انسحبت من الساحة الدولية، وأصبحت قضية ثانوية، لأن القضية الأساسية حاليا التي تشكل هما لكافة دول العالم هي الموضوع السوري يليه العراقي، لكن المشكل يكمن في أن القضية الفلسطينية هي أصل مجمل المشاكل التي تواجهها المنطقة حاليا، لأنه لو تم إيجاد حل للقضية منذ خمسين عاما لكان الوضع متغيرا الآن. وإذا ما تمت محاولة تغيير المعادلة في سوريا والعراق دون حل القضية الفلسطينية، فإن ذلك سيؤدي إلى تصاعد التوتر من جديد في المنطقة.

 هل يمكن أن يساهم عقد مؤتمرات في دول غربية في دعم القضية الفلسطينية؟

أعتبر أن جزءا هاما من العمل السياسي في العالم العربي تم لعبه منذ وقت طويل في الخارج، بسبب وجود دكتاتوريات تمنع أي عمل مرتبط بالنضال، وهو ما جعل الخارج حاضرا بقوة في كل النضالات السياسية، وباعتبار أن القضية الفلسطينية أصبحت دولية، فإنه رغم أهمية الحراك الميداني على الأراضي الفلسطينية، فإن التحرك من الخارج يكتسي أهمية، خصوصا في الولايات المتحدة حيث يوجد لوبي إسرائيلي كبير، لذلك يظل تحرك الفلسطينيين والعرب في أميركا بالغ الأهمية في النضال السياسي للقضية.

 شاركتم مؤخرا في مبادرة أسطول الحرية لفك الحصار عن غزة، هل ما زلتم تعتبرون أن بإمكان مثل تلك المبادرات تقديم إضافة للقضية في ظل تراجع الاهتمام الدولي وصمت العالم على جرائم الاحتلال؟

طبعا.. بل أتصور العكس.. ماذا لو لم تنظم تلك المبادرات، قد يموت أهل غزة ولا يهتم بهم أحد، ولكن لو تنظم مثل تلك المبادرة مرة في كل صيف سيكون هناك تذكير بالقضية، وضغط مستمر على الاحتلال الإسرائيلي، وهناك استعداد حاليا للأسطول الرابع، وأدعو إلى أن يشارك فيه عدد أكبر من مناصري القضية، وهذا أمر سيعيد من جديد التذكير بالقضية الفلسطينية عموما، وبالحصار المفروض على مليوني شخص من سكان غزة من قبل إسرائيل والنظام المصري.

وأعتبر أن النظام المصري يلعب دورا خطيرا في استمرار هذا السجن الكبير في غزة، لذلك فإن الأسطول الرابع يجب أن يشكل ضغطا على إسرائيل وعلى النظام المصري بقيادة عبد الفتاح السيسي الذي أغلق باب السجن على غزة ويعتبر مسؤولا عما يعانيه أهل غزة، رغم أن مصر كانت دائما القلب الكبير والمفتوح للفلسطينيين.

وأعتقد أنه يجب أن توجه الدعوة لمشاركة مكثفة للحقوقيين والنشطاء السياسيين في أميركا وغيرها من اليهود والعرب والمسلمين والمسيحيين في الأسطول الرابع، لأن قوة هذه التحركات هي أنها تكتسي طابعا حقوقيا إنسانيا أكثر منه سياسيا أو حزبيا، وسأواصل دعوتي من أجل أن يكون الأسطول الرابع قويا، ويعيد طرح هذه الإشكالية، إلى أن يفتح باب السجن في غزة، لأنه من غير المعقول أن يتم وضع مليوني شخص في سجن كبير، وتمنع عنهم كل إمكانيات الحياة، هذه جريمة إنسانية بكل المقاييس.

 من وجهة نظركم، ماذا ينقص القضية الفلسطينية، وهي قضية عادلة، لتتقدم إلى الأمام؟

ينقصها الحاضنة العربية، لأن الأنظمة العربية تاجرت بهذه القضية، استخدمتها ولم تخدمها في الواقع، بل ضربت تلك القضية في مقتل، وأتصور لو كان هناك نظام عربي قوي ومحترم عالميا، لكان بإمكان العرب فرض جزء من مصالحهم، لكن تشرد العرب وعجزهم بسبب أنهم كانوا تحت أنظمة دكتاتورية عائلية وحزبية وعقائدية متخلفة عطلهم ومنعهم من عنصر القوة الذي يمكنهم من فرض مصلحة أحد شعوبهم.

أعتقد أنه في ظل هذا التفرق والضعف وغياب تلك الرافعة الموحدة، فإن الفلسطينيين سيبقون لوحدهم في مواجهة الاحتلال الصهيوني واللوبيات الكبيرة التابعة له، لأن إسرائيل كانت ستتخوف لو كانت الدول العربية الكبرى كمصر وسوريا تتمتع بأنظمة ديمقراطية وتستطيع أن تتحد فيما بينها لخدمة مصالحها، آنذاك كان بالإمكان أن تأخذ إسرائيل ذلك بعين الاعتبار، لكن أرى أننا ما زلنا بعيدين عن الهدف، والفلسطينيون ما زالوا صامدين لوحدهم من دون ظهر، لأن الوضع العربي في حالة انهيار، وهذه العملية ستستغرق وقتا.

لأن الجيل الذي أنتمي إليه فشل إلى حد ما في تحقيق الوحدة والحلم العربي بسبب الأنظمة الاستبدادية الفاسدة، ولدي قناعة بأن العرب لا يلعبون حاليا أي دور، وانسحبوا لفائدة قوى أخرى، وإلى حين أن تستطيع الأجيال المقبلة بناء القوة العربية، فآنذاك يمكن مواجهة قوى المنطقة وأن يصبحوا لاعبين أساسيين، وحينها يمكن فرض حقوق الشعب الفلسطيني.

 كنتم من الرواد الذين قادوا وواكبوا التغيير الذي وقع في المنطقة العربية، انطلاقا من مهد الربيع العربي في تونس، هل ما زلتم مع ذلك تعتقدون أن هناك أملا لشعوب العالم العربي في تحقيق مطالب الثورات؟

البعض يقول إن الربيع العربي انتهى، وأنت لا تستطيع أن تحكم على حركة تاريخية من خلال أربع أو خمس سنوات، لأنها تتطلب سنوات طوالا قد تصل إلى أربعين وخمسين سنة، لكن الطريق الآن تغير، فالشعوب العربية لم تعد تقبل الاستبداد، والعصابات الحاكمة توجد في ورطة تاريخية، والصراعات ستكون قوية.

بصراحة أعتقد أن المنطقة ستدخل في مخاض صعب وطويل لكن في آخر المطاف، إذا نظرت فستجد أن كل الشعوب مرت من هذه المرحلة، واستطاعت في الأخير التخلص من القديم لتبني الجديد ونحن الآن في هذا الوضع.

 بصيغة أخرى، أنا أقدر تفاؤلكم الدائم منذ وجودكم في المعارضة بالمنفى، لكن التساؤل ما هي الأدوات التي يمكن أن تدفع بهذا التغيير الحاصل في المنطقة العربية إلى الأمام؟

من خلال الأجيال الجديدة، فالحياة لا تتوقف ورحم هذه الأمة ما زالت قادرة على ولادة رجال ونساء لهم إرادة الحياة وقادرون على قيادة هذا التغيير مهما حصل من القتل والتعسف، فالحياة عنيدة، وإذا رسمت هذه الأجيال لنفسها أهدافا بأن تصبح شعوبنا متحررة، فستستطيع أن تحققها، مهما كان حجم التضحيات والخراب الحاصل أحيانا، ولنا في الشعوب الأوروبية والصين أفضل نماذج.

وهذا قدر كل الشعوب، وأشعر بأن الأجيال الجديدة في كافة البلدان لها قوة استثنائية لن تستكين، وستدفع إلى الأمام، لأنها لا تريد لأحلامها في الحياة أن تجهض.

 كيف تقيمون الآفاق المستقبلية للمنطقة العربية، أقصد تحديدا من الناحية الإستراتيجية والسياسية، ارتباطا بما تعيشه المنطقة حاليا؟

إستراتيجيا يبدو أن المنطقة تمر حاليا بمخاض مماثل لاتفاقية سايس بيكو، في وقت انتهت فيه مرحلة الأنظمة السياسية المركزة على الشخصنة، فالآن نوجد في مرحلة تدمير الحدود والأنظمة السياسية التي تمت وراثتها بعد حقبة الاستقلال، وهناك تدمير حتى للمنظومات الأيديولوجية التي بنيت عليها الأحزاب السياسية العربية بمختلف توجهاتها.

لكن الإشكال حاليا هو أن الشكل الذي سيتخذه النظام السياسي العربي الجديد غير واضح إلى الآن، فهناك حاليا صراعات لتشكيل هذا النظام بعد انتهاء عملية الخراب، وأنا من الداعين لأن يكون ذلك النظام مبنيا على دول ديمقراطية، وعلى اتحاد بين الشعوب العربية الديمقراطية الحرة، وهذا ما أسعى إليه، في وقت تجد فئات أخرى تريد العودة إلى زمن الخلافة.

وأرى أن عملية الخراب مستمرة وستذهب إلى أبعد حد، وستدمر الأنظمة السياسية التي قادت البلدان العربية إلى هذه الأوضاع، كما حدث بالنسبة لحزب البعث في العراق وسوريا، وهي أيضا بصدد تدمير الحدود والعقليات.

وفي مقابل ذلك، تقوم كافة الأطراف الدولية الأخرى في المنطقة، كإيران وتركيا وإسرائيل والولايات المتحدة، باستغلال هذا الفراغ والضعف العربي في الساحة لفرض مصالحها، بمعنى أن السنوات العشر والعشرين سنة المقبلة ستحمل لنا كثيرا من المفاجآت، وثقتي كبيرة في الأجيال العربية الناشئة بأنها لن تقبل بالهزيمة رغم أن الوضع صعب.

المصدر : الجزيرة