ما زالت الرمادي (مركز محافظة الأنبار) مستعصية على القوات العراقية التي تحاول جاهدة استعادتها من قبضة تنظيم الدولة، وسط انتقادات برلمانية لما أسموه "عدم الجدية " في استعادة المدينة، وأطلقت قيادة العمليات المشتركة نداء لأهالي الرمادي بإخلاء المدينة تمهيدا لاقتحامها.

إيمان مهذب

لا يدرك الفارون من المعارك الطاحنة في مدينة الرمادي أين يولون وجوههم؛ فأبواب العاصمة بغداد موصدة أمامهم، وخلفهم معارك لا يعرف أحد متى يمكن أن تنتهي، وتدور رحاها منذ أشهر بين تنظيم الدولة الإسلامية والقوات العراقية.

وفي هذه الحرب يجد مئتا ألف مواطن عراقي أنفسهم أمام خيارات ضئيلة، وربما يكون الموت هو نهايتها المحتومة، فالبقاء في الرمادي (عاصمة محافظة الأنبار مترامية الأطراف) أو مغادرتها تلبية لنداء السلطات العراقية قبل عملية اقتحامها، لا يضمن بالضرورة حياة كريمة لهم، ولن يحميهم من نيران الرصاص أو القصف الذي لا يفرق بين المدنيين والمسلحين.

نداء الحكومة العراقية لسكان الرمادي بإخلائها ليس الأول، وربما لن يكون الأخير؛ فالحكومة التي تحاول منذ سقوط المدينة في مايو/أيار 2014 استعادتها من قبضة تنظيم الدولة عبر "عمليات عسكرية واسعة"، فشلت حتى الآن في تحقيق نصر لطالما أكدت أنه "وشيك".

نداء وتحذير
يتردد النداء لليوم الثاني، وتلقى معه منشورات تطالب بمغادرة سريعة، من خلال منطقة الحميرة الواقعة جنوب شرقي المدينة، تحذير تؤكد فيه القوات العراقية أنه الأخير قبل اقتحام المدينة بالأهالي أو بدونها.

ويبدو أن مطلب السكان بالإسراع في الخروج والتوجه لأقرب قوات أمنية عراقية، ورفع الرايات البيضاء، قد غابت عنه في نظر البعض الواقعية، فتأمين خروج مئتي ألف شخص -بينهم نساء وأطفال وشيوخ- ليس أمرا هينا، خاصة أن الظرف وجيز، كما أن التحقق من مسألة إيجاد ممرات ومناطق آمنة ليس مؤكدا بعد.

الخبير العسكري والإستراتيجي العراقي العميد المتقاعد صبحي ناظم توفيق رأى أن دعوة المدنيين إلى الخروج من الرمادي "أمر تعجيزي صعب التحقيق على الأرض"، موضحا أنه يستحيل خروج مئتي ألف مواطن من المدينة خلال مهلة 24 ساعة ومن ممر واحد.

وبينما تحدثت قناة "العراقية" الحكومية عن أن قوات الأمن حددت منطقة الحميرة التي تقع جنوب الرمادي معبرا لهؤلاء، قال شهود عيان إن القوات العراقية طالبت الأهالي بالتوجه شمالا باتجاه مناطق الجزيرة.

قوات عراقية بضواحي الرمادي خلال معارك مع تنظيم الدولة الإسلامية (أسوشيتد برس)

أزمة متفاقمة
وبين هذا وذلك تعود بعض الأنباء لتظهر من جديد عن توعد تنظيم الدولة الأهالي بالقتل في حال خروجهم من المدينة، مما يزيد الأمر تعقيدا ويجعل حياة المدنيين العالقين في الرمادي بين مطرقة القوات العراقية وسندان تنظيم الدولة.

وتفاقم هذه التطورات أزمة النازحين في العراق، فكلما استعرت جبهات المواجهات بين القوات العراقية وتنظيم الدولة، تتضاعف أعداد الفارين الباحثين عن مناطق يمكن فيها العيش بأمان ولو حينا.

وفي كل مرة تعيش عشرات الآلاف من العائلات العراقية المأساة ذاتها، وعلى الرغم من اختلاف التفاصيل فإن حياة النزوح في المخيمات تتسم بشحّ في المعونات الإنسانية وغياب الرعاية الصحية وظروف عيش صعبة تزيدها التقلبات المناخية سوءا.

وبينما تواصل السلطات في بغداد رفض استقبال النازحين من محافظة الأنبار دون وجود كفيل لهم في العاصمة، بحجة منع تسلل أفراد من تنظيم الدولة بينهم، يتحدّث شهود عيان عن أن الفارين من الرمادي توجهوا إلى مخيمات في عامرية الفلوجة (أربعين كيلومترا غرب بغداد)، حيث تضم هذه المخيمات مع مخيمات معبر بزيبز أكبر نسبة من مخيمات النازحين في العراق، إذ تحوي نحو عشرين ألف عائلة نازحة.

video

حسم عسكري
في انتظار حسم عسكري تأخر عن تحقيق أهدافه، يواصل آلاف المهجرين من بيوتهم قسرا الحلم بالعودة يوما إلى الديار، بينما تواصل الحكومة العراقية التأكيد على أن حملتها العسكرية هذا المرة ستقصم ظهر التنظيم في الرمادي وتعيد المدينة إلى قبضتها.

حكومة بغداد التي تواجه سهام الانتقادات عن "فشل" أو "عدم جدية في استرجاع المدينة"، تحدّثت عن أن تحرير المدينة أصبح وشيكا.

وبحسب ضابط كبير، فإن هذا الأمر أصبح في "متناول اليد"، مشيرا إلى وجود خطة لمنع حصول فوضى وعمليات انتقامية بعد استعادة المدينة من قبضة التنظيم.

هذه التطمينات جاءت أيضا على لسان محافظ الأنبار صهيب الراوي، الذي أكد قرب تحرير الرمادي، مطالبا -خلال لقائه رئيس لجنة الدفاع في الكونغرس الأميركي جون ماكين- واشنطن بالمزيد من الدعم للقوات العراقية ومقاتلي العشائر.

من جهته، بدا رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي واثقا من قدرة قواته على هزيمة تنظيم الدولة، وذلك ردا على مطالبة عضوي الكونغرس الأميركي ماكين ووليندس غراهام بزيادة نشر قوات أميركية في العراق.

وتيرة التطورات التي تتسارع على جبهات الرمادي، قد تقلب موازين القوى في هذه المدينة الإستراتيجية، وقد تعيد الثقة المهزوزة في القوات العراقية التي فشلت في الحفاظ عليها وعلى مدن عراقية أخرى، لكنها ربما لا تغير كثيرا حياة عشرات الآلاف من المدنيين الذين اكتووا بنيران حرب حوّلت حياتهم إلى جحيم.

المصدر : الجزيرة