لم يكن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بحاجة إلى ضغوط جديدة تمثلت في سقوط الطائرة الروسية فوق سيناء، فالانتخابات البرلمانية شهدت عزوفا شعبيا، والاقتصاد يتراجع، والأمن لا يتحسن، والنقد بدأ يمسه حتى من أذرعه الإعلامية.

أنس زكي

ليس جديدا أن تسقط طائرة ركاب في مكان ما من العالم، لكن الأمر يبدو مختلفا في حالة سقوط الطائرة الروسية فوق شبه جزيرة سيناء قبل أيام، فالتكهنات تتعدد بشأن أسباب التفجير مع ترجيح فرضية انفجار قنبلة على متن الطائرة، والمؤشرات تتوالى حول تداعيات اقتصادية وسياسية مؤلمة على مصر وسلطتها الحاكمة.

في السياسة يبدو الأمر صعبا على الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي ما كاد يصل إلى بريطانيا أخيرا بعد جدل حول سعي معارضيه لملاحقته قضائيا هناك، حتى تلقى هناك صدمة قرار لندن بإجلاء عشرين ألفا من مواطنيها الذين يقضون عطلتهم في جنوب سيناء.

وسرعان ما جاءت الأخبار من فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإسبانيا وروسيا، تفيد بمطالبة هذه الدول لرعاياها بتجنب السفر إلى منتجع شرم الشيخ حيث انطلقت الطائرة الروسية السبت الماضي قبل أن تسقط بركابها الـ 224 الذين لم ينج منهم أحد.

لكن الساعات الأخيرة شهدت ما يمكن اعتبارها صدمة أكبر: فروسيا التي بدت مصطفة إلى جانب القاهرة في الفترة الأخيرة، وفي أزمة الطائرة خصوصا حيث سعى الجانبان حثيثا إلى نفي فرضية تعرض الطائرة لعمل تخريبي، قررت أن تحذو حذو بريطانيا وتجلي رعاياها من مصر ككل وليس شرم الشيخ فقط، كما قررت تعليق رحلات طائراتها إلى هناك.

السيسي (يمين) تعرض لحرج أثناء وجوده في لندن للقاء رئيس الوزراء البريطاني ديفد كاميرون (الجزيرة)

ضجة كبرى
الضجة حول سقوط الطائرة كانت كبيرة من البداية، بعدما أعلن تنظيم الدولة الإسلامية مسؤوليته عن "إسقاط" الطائرة رافضا الكشف عن الطريقة التي حدث بها ذلك، ليفتح الباب أولا أمام من استبعدوا أن يمتلك صواريخ يمكنها إصابة طائرة تطير على ارتفاع كبير، قبل أن تطغى على الساحة ترجيحات زرع قنبلة في إحدى الحقائب على متن الطائرة المنكوبة.

وبدا أن القاهرة وموسكو تناضلان من أجل نفي هذه الفرضية، فالأولى تريد إقناع العالم بأنها باتت تسيطر على شبه جزيرة سيناء حيث تنشط "ولاية سيناء" التابعة لتنظيم الدولة وتشن هجمات على مقار الجيش والشرطة بين الحين والآخر، والثانية بدأت حربا ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا قبل أسابيع ولا تريد أن تبدو وكأن التنظيم نجح في النيل منها.

ومع توالي تصريحات بريطانية وأميركية ثم أنباء أولية رشحت عن تفريغ الصندوق الأسود للطائرة، كلها تصب باتجاه تعرض الطائرة لتفجير، يزداد موقف السلطة المصرية حرجا، فمنذ انقلب السيسي عندما كان وزيرا للدفاع يوم 3 يوليو/تموز 2013 على الرئيس المنتخب محمد مرسي، وهو يسوّق لسلطته داخليا وخارجيا على أساس أن مهمتها الأولى هي مكافحة "الإرهاب" الفعليّ منه وحتى المحتمل.

سائحون بريطانيون في مطار شرم الشيخ بانتظار إجلائهم إلى بلادهم (الأوروبية)

حرج أكبر
وتبدو السلطة المصرية متجهة إلى حرج أكبر، فبينما انخرط الإعلام المحلي في اتهام الخارج بالمبالغة في الأمر، تأتي أحدث الأنباء لتشير إلى أن الأمر كبير فعلا وأن سقوط الطائرة ليس بداية القصة، فصحيفة ديلي ميل البريطانية تؤكد أن طائرة بريطانية تعرضت قبل شهرين لهجوم صاروخي قبيل هبوطها في شرم الشيخ وعلى متنها 189 راكبا، لكن قائد الطائرة تمكن من تفادي الصاروخ وتم التكتم على الأمر.

هذا إذن مصدر أرق جديد للسيسي الذي تعرض لانتقادات إعلامية نادرة مؤخرا، بعد فشل الأجهزة المحلية في مواجهة أمطار تسببت على غير المعتاد في مقتل وإصابة عشرات المواطنين في عدة مدن مصرية خلال الأيام الماضية، وذلك بعد أيام من انتخابات برلمانية شهدت جولتها الأولى عزوفا واضحا عن المشاركة.

الأمر في الاقتصاد لا يبدو أفضل من السياسة، بل لعله الأعقد والأكثر تأثيرا، فمنذ ثورة يناير/كانون الثاني 2011 كان روسيا هي المنقذ الأول للسياحة المصرية المتراجعة حيث تصدرت دول العالم في هذا المجال بمعدل تجاوز ثلاثة ملايين سائح سنويا، يذهب معظمهم إلى منتجعات جنوب سيناء إضافة إلى الغردقة الواقعة على ساحل البحر الأحمر.

تتحدث الأرقام أيضا عن أن الروس يمثلون نصف السياحة الواردة إلى شرم الشيخ تقريبا، وهو ما يعني خسائر فادحة لقطاع السياحة المصري خصوصا وأن الفترة الحالية وحتى نهاية يناير/كانون الثاني المقبل كانت تمثل ذروة  الموسم السياحي الشتوي في مصر، وضياعه يعني خسائر فادحة جديدة لقطاع السياحة الذي كان قد خسر أصلا نحو ثمانية مليارات دولار هذا العام مقارنة بعام 2011.

شلل تام
وكانت لافتا أن موقع روسيا اليوم ذهب إلى استخدام تعبير "الشلل التام" ليصف الوضع الذي بات عليه قطاع السياحة في مصر، بينما أشار اتحاد السياحة الروسي إلى أن 35% من الروس الذين كانوا ينوون السفر إلى مصر خلال الأسابيع المقبل قد ألغوا خططهم بالفعل.

هذا الشلل يبدو مؤكدا بالنظر إلى إجراءات بريطانيا لإجلاء رعاياها، وتحذيرات ألمانيا لرعاياها من السفر إلى شرم الشيخ. علما بأن البلدين هما من يأتيان بعد روسيا من حيث روافد السياحة إلى مصر.

خليط التأثيرات السياسية والاقتصادية يؤكد أن السلطة الحاكمة في مصر على موعد مع أيام صعبة داخليا وخارجيا، فبعد تراجع التمويلات الخارجية وتزايد الأزمات الداخلية تأتي نذر الإخفاق في الملف الرئيس وهو الأمن ومكافحة "الإرهاب" فضلا عن تزعزع السمعة الدولية مع ما يعنيه ذلك من هروب الاستثمارات الخارجية، وتذبذب التأييد السياسي.

هذا الخليط من الأزمات ما بين الاقتصادي والأمني والسياسي، سيكون اختبارا صعبا للسلطات في القاهرة التي وعدت المصريين بحل أزماتهم، قبل أن تجد نفسها كل يوم أمام تصاعد في حدة المشكلات وتراجع قدرة الدولة على خدمة مواطنيها أو حماية ضيوفها. 

وقد بدا السيسي مستسلما وهو يعلن استعداده للاستجابة إلى أي مطالب دولية بشأن التأكد من الوضع الأمني في مصر، ثم رضخت سلطاته فعلا وقبلت استقبال وفد بريطاني لمراجعة الإجراءات الأمنية في مطار شرم الشيخ.

ومع ذلك فلا يبدو أن هذا سينقذ السياحة التي كانت واحدا من قطاعات قليلة تضع عليها السلطة المصرية آمالها، ولعل الفيديو الذي نشرته صحيفة بريطانية اليوم لاحتفال سائحين بريطانيين بالعودة الآمنة من مصر يبدو معبرا، فقد انقلب الحال وبدا أن الطائرة الروسية قد سقطت وأسقطت معها كثيرا من الأمن والاطمئنان للمستقبل.

المصدر : الجزيرة