ربما لم يكن يدور في خلد السوريين وهم يفرون من براميل الموت في بلادهم، إلى لبنان أن أزمة إنسانية أخرى ستزيد من معاناتهم، فقد بات الحصول على قبر لدفن الموتى أمرا صعبا المنال، يحتاج إلى وساطات قد تستغرق عدة أيام.

أسامة العويد-شمال لبنان

"تقطعت بها السبل، انقسمت عائلتها بين بلد وآخر, ملأ الحزن قلب أمّ عجز الطب عن مداواتها, واستقر بها المطاف بجلطة دماغية ودعت بعدها الدنيا", هذه ليست مقدمة من فيلم سينمائي منمّق ولم يعدل على إخراجها بل هو واقع عاشته عائلة آل جابر التي فرت من حي جوبر بمدينة حمص إلى شمال لبنان.

لكن القصة المؤلمة لم تنته بموت الأم منذ عدة أيام، بل زادت تعقيدا، فكما يقول فوزي جابر، "في البداية لم نجد مكانا لدفن أمي, وبعد وساطات عدة، استطعنا دفنها في هذه المقبرة، وقال لنا المشرفون إنها آخر جنازة سورية، فلا يمكن للمقبرة استيعاب جثامين أخرى".

ويضيف للجزيرة نت "لا أعلم ماذا حل بالشعب السوري؟ قتل وتشريد وشتات وحتى أجسادنا لا تجد مكانا للدفن بعد الموت حتى في الدول العربية، لقد أصبح كل ما نحلم به أن نجد قبرا ندفن فيه".

فوزي جابر مع ابنه فوق قبر والدته (الجزيرة نت)

أزمة إنسانية
أما الشاب اللبناني جمال أحد أبناء ساحل عكار، فيؤكد للجزيرة نت أن هذه المقبرة مخصصة لعدد من العائلات اللبنانية, ومع لجوء السوريين سمح لهم بالدفن هنا, ولكن اللبنانيين أصحاب هذه القبور لم يعودوا يجدون مكانا لموتاهم مما دعا البلديات إلى منع دفن اللاجئين.

ويضيف "هذه أزمة كبيرة، لأن إكرام الميت دفنه، ولكن كما ترون المكان هنا ضيق, ونحن نأسف لعدم تكمننا من مساعدة السوريين, ويجب على دار الفتوى متابعة هذه القضية بعناية وأولوية، لأنها مسألة إنسانية بحتة".

أما مروان المصري، مدير مخيم الريحانية للاجئين في عكار، الذي يضم 450 عائلة سورية, ويشهد نسبة وفيات مرتفعة, فيقول إن "قضية الوفيات باتت صعبة للغاية, فعندما يموت أحد اللاجئين تبدأ أزمة جديدة واتصالات مكوكية حتى نؤمن له مكان للدفن, المقبرة الوحيدة في ساحل عكار هنا هي مقبرة الشهيد بمحاذاة شاطئ البحر وهي ممتلئة ولم يعد باستطاعتها استقبال أي جثة.

ويضيف "بالأمس توفيت إحدى اللاجئات، واستجدينا العديد من رؤساء البلديات حت استطعنا تأمين زاوية صغيرة لها, ناهيك طبعا عن عدم توفر ثمن الأكفان ومستلزمات الدفن التي لا يملك منها اللاجئ أي شيء, والتي نعمل مع الخيرين على تأمينها".

ويناشد المصري "كل الضمائر في هذا البلد العمل على تأمين مقبرة جديدة, لأن بعض اللاجئين بدأ يفكر في رمي جثة قريبه في البحر لعدم وجود مقابر".

البحث عن مقبرة للاجئ سوري في لبنان معقد جدا وقد يستمر لعدة أيام (الجزيرة نت)

جهود أهلية
من جانبه يؤكد رئيس دائرة الأوقاف الإسلامية في عكار الشيخ مالك جديدة "أن دائرة الأوقاف الإسلامية في عكار وفرت قطعة أرض في منطقة السويسة بوسط المحافظة لاستقبال جثامين الأموات من السوريين، كما أنها تؤمن الأكفان وبعض المستلزمات".

ولفت جديدة -في حديث للجزيرة نت- إلى أن "هناك بعض القرى الداخلية باتت مترابطة مع اللاجئين وتقوم بدفن اللاجئين المتوفين داخل مقابرها الخاصة".

وحول منطقة ساحل عكار التي تضم كبرى مخيمات اللاجئين التي لا يوجد بها سوى مقبرة صغيرة لا تتسع للسوريين قال جديدة "إننا نعمل حاليا على تأمين بديل للإخوة السوريين هناك, فهذا واجب نقوم به, وسنعمل على تحقيق هذا الأمر وتسهيل أمور اللاجئين لأنه لا يجب أن يضطهد السوري في الحياة وفي الممات".

المصدر : الجزيرة