تدحرجت أزمة سوخوي بين روسيا وتركيا لتأتي على الكثير من عوامل التقارب بين البلدين على المستوى السياسي والاقتصادي، ولتعزز الاختلاف الكبير في الملف السوري، ليحتد النزال السياسي وفصول أولى من النزال العسكري على أرض سوريا.

زهير حمداني

انتظر المتابعون للمؤتمر الباريسي المكرس لأزمة المناخ العالمية في يومه الأول مصافحة بين الرئيسين الروسي

فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب أردوغان تبرد الأجواء الساخنة وتهدئ مناخ التصعيد بين البلدين وفي المنطقة، لكن الأمل تبخّر لتستمر الأزمة في التفاعل.

وأكد المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف للصحفيين أن بوتين لا يعتزم لقاء الرئيس التركي أردوغان خلال قمة المناخ في باريس، وذلك بعد توتر بين البلدين جراء إسقاط أنقرة مقاتلة سوخوي 24.

وفي المقابل رفض رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو -بعد اجتماع مع الأمين العام لحلف الناتو ينس ستولتنبرغ في بروكسل- أي اعتذار من تركيا عن إسقاط طائرة سوخوي، لكنه عبر عن أمله بأن تعيد روسيا النظر في الإجراءات العقابية ضد تركيا.

طائرة سوخوي 24 تهوي بجبال اللاذقية بعد إصابتها من قبل المقاتلات التركية (الأوروبية)

خلافات كامنة
وتدحرجت أزمة سوخوي بين البلدين لتأتي على الكثير من عوامل التقارب بينهما على المستوى السياسي والاقتصادي، ولتعزز الاختلاف الكبير في الملف السوري، ليبرز نزال سياسي وفصول أولى من النزال العسكري على أرض سوريا.

وفي الوقت ذاته كشفت الأزمة عن حدة الشكوك الروسية في الدور التركي ليس في سوريا وحسب، بل في منطقة القوقاز، خاصة مع تصريح مسؤولين روس -بينهم بوتين نفسه- بأن تركيا دولة تدعم "الإرهاب" وتنظيم الدولة لإسلامية بالتحديد.

والود الذي كان يظهر بين البلدين في مناسبات سابقة لا يخفي التعارض في المصالح بينهما والذي ظهر سابقا في الحرب الروسية في الشيشان وجورجيا والبوسنة وإبان ضم روسيا شبه جزيرة القرم وأزمة سوريا، لكن المصالح الاقتصادية كانت أثبت من كل ذلك حتى جاءت حادثة سوخوي فقلبت الموازين.

أكد الرئيس أردوغان أن جيشه لم يكن يعرف أن الطائرة روسيةٌ وأنه حزين لما حصل، ودعا روسيا وقيادتها إلى التهدئة والبحث عن حلول للأزمة، لكنه لم يقدم اعتذارا كان مطلوبا من قبل روسيا، وشدد على أن تركيا ستدافع دائما عن أجوائها ضد أي اختراق.

وصعدت روسيا من لهجتها ضد تركيا واتخذت إجراءات عقابية على الصعيد الاقتصادي، وليس معروفا إلى أي مدى ستضر تلك الإجراءات بتركيا، فبين البلدين اتفاق لبناء مفاعلات نووية في تركيا تبلغ قيمتها نحو 20 مليار دولار ومشاريع أخرى للغاز وبرامج طموحة لرفع التبادل التجاري إلى 100 مليار دولار بحلول عام 2020.

وهناك عدد كبير من الشركات التركية التي تعمل في روسيا، في حين يزور نحو 4.5 ملايين سائح تركيا سنويا، وقد طلبت السلطات الروسية الامتناع عن زيارة تركيا، وهو ما فعلته أنقرة أيضا كرد فعل.

روسيا نشرت منظومة أس 400 للدفاع الجوي في قاعدة حميميم باللاذقية (الأوروبية)

واقع مختلف
وفي تجنب المصافحة، لا يبدو أن الرئيس الروسي على استعداد حاليا لإحباط "مكاسب" حققها بعد إسقاط تركيا طائرة سوخوي لإعادة قلب موازين القوى لمصلحته في المنطقة وفرض واقع عسكري مختلف في سوريا يقوم على سيادة روسية كاملة على الأجواء والأرض من منطلق قاعدة رب ضارة نافعة.

فقد اتخذت موسكو قرارات إستراتيجية أهمها نصب منظومة الدفاع الجوي المتطورة أس 400 في قاعدة حميميم والتي تغطي رادارتها وصواريخها معظم الأراضي السورية وجزءا من الأراضي التركية، في حين أوقفت تركيا الضربات التي كانت تنفذها في سوريا تجنبا لأي حوادث تأزّم الموقف أكثر.

والأهم من ذلك أن روسيا أوقفت الاتصالات العسكرية بما فيها الخط الساخن الذي كان يمنع الاحتكاكات وحوادث التصادم بين الطائرات في الحدود السورية، وقد تجاوز الطيران الروسي بعد ذلك الخطوط الحمر التي كانت مرسومة ضمنيا بين الدولتين بتوسيع ضرباته إلى مسافات قريبة من الحدود التركية في حلب وإدلب واللاذقية، وكثف ضرباته ضد التركمان في ريف اللاذقية الشمالي الذين يحظون بحماية تركية.

ويشير الكثير من الخبراء إلى أن التصعيد الروسي لن يؤدي في النهاية إلى حرب مباشرة بين البلدين، لكن سوريا ستصبح ساحة أشمل وأكبر في هذا الصراع باعتبار أن موسكو لن تفرط في مصالحها فيها وتسعى لحسم ذلك عسكريا أو بحل سياسي يناسبها ولا يكون لتركيا والجماعات التي تدعمها دور كبير فيها.

وفي المقابل فإن تركيا التي تمتلك عوامل قوة اقتصادية وعسكرية لا يستهان بها -ومسنودة بحلفائها بالمنطقة وبحلف شمال الأطلسي الذي عبر عن حق أنقرة في الدفاع عن نفسها- لن ترمي بأوراقها التي صنعتها في السنوات الأخيرة في سوريا وستعمل على مواصلة دعم حلفائها هناك، وهو ما عبر عنه الرئيس أردوغان بعيد إسقاط سوخوي.

وفي حلبات الصراع السياسي والاقتصادي والعسكري -الذي مداره الأساسي سوريا- تستمر الأزمة في انتظار نضوج خيوط التهدئة والمصالحة بين البلدين اللذين شهدا في السنوات الأخيرة صعودا سياسيا واقتصاديا مهما مسنودا بطموحات زعيمين لا يخفيان حنينا إلى عصر "إمبراطوري" زاهٍ لبلديهما.

المصدر : الجزيرة