الخطر على "الكوكب الأزرق" يشكل هاجسا حقيقيا لمئات ملايين البشر، لكن حضور هذا الهاجس عربيا ليس بحجم التحديات، فالعرب لديهم ما فاض عنهم من المشاكل المحدقة بما حجب عنهم المخاطر على الأرض.


يشترك العرب في "كارثة" التحولات المناخية ومخاطر الانحباس الحراري مع كل أمم العالم، وهم يشاركون فيها بنسبة ضئيلة مقارنة بحيتان الصناعة العالمية و"كبار الملوثين" بينما يتكبدون أعباء كبيرة ومخاطر عديدة تحدق بعدة دول قد لا يكون هناك صدى لأصواتها في قمة باريس للمناخ.

وتحضر معظم العربية -بتمثيل متفاوت- قمة المناخ في باريس التي تشارك فيها أكثر من 190 دولة في تجمع ضخم يرنو لوضع حلول ضد المخاطر التي تتهدد البشرية جراء التحولات المناخية التي قد تعصف بعوامل استقرار الإنسان على كوكبه، إن لم تكن بالأرض برمتها في مدى غير بعيد.

ويمثل الخطر على "الكوكب الأزرق" هاجسا حقيقيا لمئات ملايين البشر، لكن حضور هذا الهاجس عربيا ليس بحجم التحديات، فالعرب لديهم ما فاض عن جغرافيتهم من المشاكل المحدقة بما يحجب عنهم الصورة الشاملة عن خطر يتهدد الأرض.

وعلى المستوى الشعبي، لا يبدو أن الظواهر التي تؤثر على المناخ والحياة على الأرض تستنهض رد فعل من خلال المظاهرات أو المسيرات- كما يحصل في العديد من مدن العالم قبل القمة الباريسية- فلدى الشعوب العربية ما يكفيها من المشاكل الآنية من فقر وتهميش واستبداد وبطالة  وحروب، وبحث مستميت عن ملاجئ آمنة.

النفايات في أحد شوارع بيروت (الجزيرة)

مخاطر محدقة
ورغم عدم الاهتمام الشعبي والرسمي بتحديات المناخ وقمته في باريس، يؤكد تقرير للمنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) أن الدول العربية ستكون من أكثر المناطق تعرضا للتأثيرات ومخاطر التغير المناخي المحتملة، وهي في قلب المشكلة المناخية الكبرى التي يواجهها العالم خاصة التصحر ونقص المياه.

وسوف يؤثر ارتفاع مستويات البحار بشكل مباشر على عشرات آلاف الكيلومترات المربعة من الأراضي الساحلية العربية، كما سيؤثر بشكل مباشر على نحو ثلاثة بالمئة من سكان البلدان العربية، وستكون أكثر التأثيرات خطورة في مصر وتونس والمغرب والجزائر والكويت وقطر والبحرين والإمارات، وفق التقرير.

كما يشير التقرير إلى أن حوالي 75% من المباني والبنى التحتية في المنطقة سوف تتعرض هي الأخرى لخطر تأثيرات تغير المناخ، وتحديدا الارتفاع المتوقع في مستويات البحار وازدياد حدة العواصف والتداعيات الأخرى.

من جهته، حذر البنك الدولي -خلال ندوة حول التغيرات المناخية العام الماضي في الدوحة- من أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ستشهد ارتفاعا في معدل درجات الحرارة يبلغ ست درجات مئوية بحلول عام 2050.

وأكد البنك أن المنطقة ستشهد تبعا لذلك نقصا في الأمطار وانتشارا كبيرا لظاهرة الجفاف والقحط، محذرا من النتائج الوخيمة لهذه التغيرات المناخية على الأمن الغذائي لسكان الدول العربية، وخصوصا شح المياه والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي وموارد المياه والزراعة والصحة والتنوع الحيوي.

وفي تقرير نشرته مؤسسة ناشونال جيوغرافيك مؤخرا، أشار إلى ارتفاع منسوب المياه بالبحر الأبيض المتوسط ما سيؤدي إلى غرق المناطق الساحلية لمعظم الدول العربية من المغرب غربا وقد يمتد إلى الخليج شرقا إذا تواصل ارتفاع درجات الحرارة.

ويخسر الاقتصاد العربي -وفق التقرير- ما نسبته 5% من الناتج القومي سنويا بسبب التدهور البيئي وتداعياته، وقد تتضاعف نسبة الخسارة مع تفاقم أزمة المناخ، ومقابل ذلك لا تتجاوز الميزانية المخصصة للمشاريع البيئية 1% عربيا، وفق المنتدى العربي للبيئة والتنمية.

مسيرة في ساو باولو البرازيلية قبيل قمة باريس (رويترز)

دفع الفواتير
ومع محدودية مواردها الاقتصادية وتفاقم مشاكلها الاجتماعية، لا تضع الدول العربية برامج حقيقية للقضاء على مشاكل التلوث والمخاطر البيئية، ويبرز ذلك من خلال أزمة النفايات في لبنان والتي بقيت بدون حل، واستمرار "السحب السوداء" في مدن عربية كالقاهرة، وزيادة نسب التلوث في معظم المدن العربية الكبرى.

ومع ندرة المعالجات لهذه المشاكل، توجد محاولات في بعض بلدان الخليج العربية لاتباع سياسات للحفاظ على البيئة وكذلك استغلال المصادر الطبيعية لتوليد طاقة نظيفة.

وفي توجه قد يكون نقلة نوعية في رؤية العرب لمخاطر التغيرات المناخية ودفعا لحضور فاعل بهذا الملف الكوني الشائك، من المنتظر أن يحتضن المغرب القمة العالمية المقبلة للمناخ بمدينة مراكش العام القادم، وفيها قد تحضر الهواجس العربية في هذا الموضوع، وقد يكون الصوت العربي أكثر ارتفاعا وتأثيرا.

وتشير التقارير إلى أن الدول العربية تساهم بنسبة 5% فقط من جملة الانبعاثات الغازية العالمية، وهي تعد نسبة قليلة مقارنة بعمالقة الصناعة العالمية والشركات الكبرى التي تفرط في استغلال الثروات الطبيعية دون رادع.

وسيكون الصراع على أشده في القمة بين الدول الصناعية الكبرى للحيلولة دون استصدار لوائح وقرارات مؤثرة على بنيتها الصناعية وحصصها بالأسواق، فالدول المصنعة تشارك بنسبة 78% من انبعاث الغازات الدفيئة (ثاني أوكسيد الكربون) لكن العديد منها يسعى للتنصل من الاتفاقيات المنظمة لهذه الانبعاثات أو دفع ما يتوجب خاصة وأن القمة مطالبة بتوفير مئة مليار دولار انطلاقا من عام 2020.

وفي المنتدى الباريسي الدولي الضخم، يشارك العرب بمنطق الحضور دون فعالية تذكر في القرارات والحلول، وهم لم يقدموا ورقة مشتركة أو برنامجا متفقا عليه للقمة -كما سبق أن حصل في قمة كوبنهاغن عام 2009- وقد يدفع بعضهم فاتورة خطة عالمية للحد من المخاطر على المناخ العالمي.

المصدر : الجزيرة