مع تفجير الأمس بتونس، تعود للأذهان صور أيام عصيبة بليال طويلة، اختلف ضحاياها وسكن فيها الحزن قلوب المئات من العائلات الثكلى، وقلوب ملايين التونسيين الذين وجدوا أنفسهم تحت صدمات مضاعفة من عدوّ مجهول، قضّ مضاجعهم وهدد أمنهم، وضرب قلب عاصمتهم.

إيمان مهذب 

غير بعيد عن شارع الحبيب بورقيبة "الرمز" الذي شهد مظاهرات عدة تطالب بالحرية والكرامة، تقف الساعة الشهيرة في ساحة "14 جانفي" (يناير) شاهدة على الأحداث المتسارعة. ظلت عقارب الساعة تدور لكن الزمن توقف لكل من هم حولها، فالجميع في حالة ذهول من هول صدمة التفجير الذي استهدف حافلة للأمن الرئاسي وأوقع عددا من القتلى والجرحى.

في ذلك المساء الماطر بغزارة، قلبت الأخبار التي لم تكن لتُصدّق للوهلة الأولى، حياة التونسيين، وأعادت إلى أذهانهم تفجيرات أخرى وفتحت جراحا ظنوا أنها اندملت.

تحمل التفاصيل معها في كل لحظة الجديد، فملامح التفجير الذي كان غامضا وتضاربت بشأنه الروايات، يبدو أنه نُفّذ عن طريق "انتحاري" فجّر نفسه في حافلة عناصر الأمن الرئاسي.

وكالة رويترز نقلت عن مصدر أمني قوله إن التفجير الذي أدى إلى مقتل 13 شخصا وجرح نحو عشرين آخرين، قام به -وفقا لمعطيات أولية- "رجل يلبس معطفا ويضع سماعات في أذنيه ويحمل حقيبة على ظهره، صعد للحافلة وفجر نفسه بسرعة".

وهي رواية تتناقض مع رواية سابقة تشير إلى أنه تم استهداف الحافلة بجسم متفجر.

video

 

حصيلة وخطورة
وإن اختلفت الروايات فإن الحصيلة واحدة: هجوم يستهدف قوات للأمن الرئاسي بالقرب من وزارة الداخلية التونسية، وهو أمر خطير وفقا للكثيرين ويمثل نقلة نوعية في الهجمات التي ينفذها مسلحون.

رئيس الحكومة التونسية لم يخف هذا الأمر، حيث قال عقب اجتماع وزاري استثنائي اليوم الأربعاء، إن هذا التفجير هدفه "زعزعة أركان الدولة"، مشيرا إلى وجود عنصرين مهمين يميزان هذه العملية.

الأول أنها استهدفت رمزا من رموز الدولة، فالأمن الرئاسي مُطالب بحماية مؤسسة رئاسة الجمهورية والبرلمان ومقر الحكومة، فضلا عن حمايته كلا من رئيس الدولة ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان.

أما المعطى الثاني فيتمثل في أن العملية وقعت على بعد مئتي متر فقط من وزارة الداخلية، وهي من الوزارات الأساسية التي همها ومهمتها حفظ أمن البلاد.

المسؤول في الأمن الرئاسي هشام الغربي أكد من جهته الأمر بقوله إن "التفجير هو تحول نوعي في العمليات الإرهابية، يستهدف ضرب هيبة الدولة عبر هجوم على رمز مثل الحرس الرئاسي"، مضيفا أن الدولة تواجه تحديا حقيقيا مع هجوم في قلب العاصمة. 

هلع وسط العاصمة عقب تفجير حافلة تقل عناصر من الحرس الرئاسي (الجزيرة)

رمزية الهجوم
هذه الرمزية لم تغب عن تحليلات المختصين ولا قراءات الصحف، وهو ما ذهب إليه مدير البحوث في معهد العلاقات الدولية والإستراتيجية بليغ نبيل، الذي أكد -في حوار مع موقع 20 مينوت الفرنسي- أن هذا التفجير يمثل "تحديا للدولة" ورسالة إليها بأنه يمكن "ضربها في قلبها"، وذلك مع رغبة في مضاعفة حالة عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

ضربة في قلب تونس كانت الأكثر إيلاما مقارنة بالضربات السابقة، فلماذا يمثل "هذا التفجير أكثر إمعانا في إيلام النظام؟" مقارنة بتفجيري باردو وسوسة؛ هكذا يتساءل موقع بزنس نيوز التونسي الناطق بالفرنسية.

فتكون الإجابة: لأنه "هز مركز العاصمة تونس، على مسافة قريبة من جدا من وزارة الداخلية، ولأنه استهدف عناصر الأمن الجمهوري الذين عرفوا بأنهم الأكثر كفاءة في البلاد، ولأنه يأتي في وقت الحرب على الإرهاب، والجميع فيها على أهبة الاستعداد".

السبسي أعلن حالة الطوارئ عقب الهجوم وفرض حظر التجول في تونس الكبرى (أسوشيتد برس)

عناصر وظروف
تتغير عناصر وظروف المواجهة إذن، ويصبح المسلحون أكثر قربا من مؤسسات الدولة السيادية، تسلسل مرّ بمراحل عدّة أكثرها خطرا -بحسب البعض- عملية 24 نوفمبر/تشرين الثاني الحالي.

وتحت هول الصدمة، تحاول الدولة استجماع قواها للتصدي للخطر الداهم، فيسارع الرئيس الباجي قايد السبسي "نظرا لهذا الحدث الأليم والفاجعة الكبرى" إلى إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثين يوما، وإلى فرض حظر للتجول في تونس الكبرى (تضم أربع ولايات: تونس وأريانة ومنوبة وبن عروس).

يقر الرئيس بأن "الإرهابيين يريدون زرع الرعب في قلوب أبناء الشعب"، ويتوعدهم بأن ينقل الرعب إلى قلوبهم، وفيما يعلن رئيس الحكومة أن "البلاد في حالة حرب على الإرهاب" تتطلب تضحيات من جميع الأطراف، يلملم التونسيون جراحهم التي زادت عمقا بتفجير الأمس.. وفي أذهانهم وقلوبهم صور لن يمحوها مرور الأيام عن عشرات الضحايا الذين كانوا هدف رصاص غادر.

المصدر : الجزيرة