سيلين أحمد-إسطنبول

يمكن لقوارب الموت والهجرة غير النظامية أن تغدو قوارب للحياة أيضا، فقليل من المخدرات المتواجدة على متنها يضمن نجاة المهاجرين الأكيدة من الموت بل ويغير مصائرهم، هذا ما كشفه لنا محمد (ثلاثون عاما) بعد أن قرر النأي بنفسه بعيدا عن معشر المهربين في مدينة أزمير التركية.

محمد الذي عمل مدة شهرين لدى شبكة تهريب للبشر قرر البوح بكل أكاذيبهم وأسرارهم، حيث كشف عن العديد من عمليات الاحتيال التي وقعت بحق مهاجرين سوريين، ويقول إنه غادر سوريا بعد أن كان مقاتلا سابقا في صفوف الجيش السوري الحر، وعندما فشل في العثور على عمل عرض عليه أحد أصدقائه الذي كان مهربا في أزمير العمل برفقته ومساعدته.

محمد روى خبايا شبكات التهريب (الجزيرة)

ويضيف محمد أن صديقه أقنعه بأن هذا العمل يساعد العديد من السوريين على الهروب إلى أوروبا، وتحصيل بعض المال أيضا، مما جعله يتوجه إلى أزمير لفهم طبيعة العمل.

يؤكد محمد أن الشرط الأساسي لوصول قوارب الهجرة بسلام هو مجرد حقيبة تتضمن بعضا من المخدرات كالكوكايين مثلا، يتكفل أحد العاملين لدى شبكة التهريب بإيصالها إلى اليونان عبر قارب "البلم" الذي يستوعب ثلاثين مهاجرا لا يعلمون بوجودها، وتنطلق قوارب الهجرة إما من مدينة أزمير أو إحدى النقاط القريبة منها كمدينتي كوشا داسي، وبودروم السياحيتين.

وتنطلق قوارب المخدرات حصرا -يضيف محمد- من مدينة مرمريس السياحية والتي يقول إن أغلب الاستثمارات فيها تعود للمافيا الروسية، ويشير إلى أنه علم صدفة من أحد العاملين معه أثناء تنظيمهم رحلة من مرمريس "أن المافيا الروسية هي من تشرف على عمليات تهريب المخدرات بالبلم"، وأن كلمة سر هذه الرحلة هي إما "فاضية" أو "معباية"، يعني فارغة أو مملوءة، وأغرب ما في الأمر -يواصل محمد- أن القارب المتضمن حقيبة المخدرات يصل بشكل مؤكد إلى اليونان.

"أفيون" المهربين 
ولا يتعارض حديث محمد مع ما كشفه بعض المهربين والسماسرة الذين التقتهم الجزيرة نت في منطقة بصمنة المعروفة بمدينة أزمير، حيث قابلت مراسلة الجزيرة نت شخصا يعرف بأبو يوسف بحجة اللجوء والتهريب إلى أوروبا فحدثها عن رحلة "البلم" والتي تكلف حوالي 1200 دولار، وعن طوله البالغ تسعة أمتار، وعن حداثة المحرك وضمانته 100%، وأن عدد المهاجرين الذين سينقلهم لا يزيد على الثلاثين.

أما أبو اليزن -وهو أحد سماسرة التهريب- فقد كان أكثر ميلا للصراحة، حيث أقر بأن رحلة البلم الواحدة تحمل 49 مهاجرا.

غير أن محمد نفى كل ما قيل عن سلامة وضمان الرحلة بـ"بالبلم"، فطوله الحقيقي سبعة أمتار، وعدد الأشخاص الذين يتسع لهم يتراوح بين 28 وثلاثين شخصا، ويضيف قائلا "دائما ما يشتري المهربون محركا مستعملا كونه أرخص بكثير من الجديد، مما يؤدي أغلب الأحيان إلى غرق وموت العديد من الناس".

رشوة  
من جهة أخرى،  يؤكد محمد أن "للمافيا والجندرما التركية يدا أيضا"، فالنقطة التي يتم انطلاق الرحلات منها يتم شراؤها من "الجندرما" التركية بمبلغ ثلاثة إلى أربعة آلاف دولار، في حين يتم شراء "البلم" من محلات المافيا التركية بمبلغ أربعة آلاف دولار تقريبا.

من أزمير في تركيا (الجزيرة)

ويكشف أن المهرب الذي عمل معه كان يحصل من الرحلة الواحدة على ما بين 28 وثلاثين ألف دولار حصة صافية له، في الوقت الذي يصل فيه معدل انطلاق الرحلات يوميا من رحلتين لثلاث، "طبعا ذاك المهرب كان بدوره يتعامل مع رجل من المافيا التركية يتولى حماية شبكته، وطبعا للجميع نصيبه وأرباحه من العمل".

وتحدث محمد أيضا عن سوء معاملة البعض من أفراد الشرطة التركية مع المهاجرين وسط أزمير، فحسب تعبيره ما إن يقوم البعض بشراء ستر النجاة من ساحة بصنمة المعروفة حتى يقوم أفراد من الشرطة بمصادرتها وإعادة توزيعها وبيعها من جديد، لكن هؤلاء لا يقتربون من المهربين أنفسهم لرشوتهم، "فقليل ما يتعرض مهربون للاعتقال في حال تكرار غرق رحلاتهم أكثر من مرة".

يذكر أنه -وبعد عدة محاولات- لم تفلح مراسلة الجزيرة نت في الحصول على أي تعليق من قبل وزارة الداخلية التركية حول احتمال ضلوع "الجندرما" أو تسهيلها تجارة تهريب البشر، في حين قال المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان في تقرير له إن أعداد الغرقى والمفقودين في البحر المتوسط -وهم في الطريق إلى أوروبا- بلغت منذ بداية عام 2015 نحو 2824 شخصا، وقاربت أعداد الواصلين إلى أوروبا منذ بداية ذات العام حوالي 380 ألف شخص.

المصدر : الجزيرة