هزّت صورة إيلان الفتى الكردي الذي لفظته مياه البحر على السواحل التركية، مشاعر العالم الذي تعاطف بشكل غير مسبوق مع أزمة اللاجئين، لكن هذا التعاطف وإن بدا فاعلا جدا لفترة، فإنه بدا يخفت مع بروز قضايا أخرى ومخاوف أمنية.

إيمان مهذب

أشبه بزورق مثقل بالحمولة يواجه أمواج البحر العاتية، هكذا أصبحت حياة الآلاف من اللاجئين الفارين من الحروب بحثا عن الأمن والاستقرار، فـ"رحلة الموت" لم تعد محنتهم الوحيدة، وإن نجوا من البحر فعلى البر مآس عدة تبدأ بشتاء قاس وحدود مغلقة ودعوات متصاعدة ضدهم، زادتها التهديدات "الإرهابية" لدول أوروبية حدّة.

وفي محنة البحث عن لجوء، لا يواجه الآلاف ممن تقطعت بهم السبل على الحدود الأوروبية منذ فترة، الأنواء والثلوج والأجواء العاصفة فقط، بل أيضا مزاج السياسيين الذي عكّرته هجمات باريس الأخيرة، ومطالب تشديد الإجراءات الحدودية خوفا من أن يتدثر "الإرهاب" بعباءة اللجوء.

أدلة وتعقيد
بعض الأدلة التي كشفت عنها نيابة باريس قبل أيام والتي تشير إلى أن اثنين من منفذي هجمات العاصمة الفرنسية مرا عبر اليونان بين صفوف اللاجئين الهاربين من الحرب السورية الطاحنة، كانت كفيلة بأن تزيد وضع اللاجئين تعقيدا، وأن تجعل كل لاجئ متهما إلى أن تثبت براءته.

الديبلوماسي والمساعد الأول بمؤسسة "كارنيغي أوروبا" بيار فيمون، اعتبر أن "هذا المعطى عقّد بشكل كبير إدارة أزمة الهجرة في أوروبا".

وأضاف في حوار مع صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية الثلاثاء أن "خطر تسلل إرهابيين بين وفود اللاجئين هو حقيقة يجب أخذها بعين الاعتبار"، إلا أنه أكد على أن "الخطاب الذي يرى أن كل اللاجئين إرهابيين غير مقبول".

وأوضح أن أزمة اللاجئين تخضع لتغيير وجهات النظر، فمع بداية الصيف كان هؤلاء اللاجئون في حاجة إلى مساعدة بسبب ما يمرون به من أوضاع سيئة، واليوم تغير خطاب قادة أوروبا وأصبحوا لا يستطيعون استيعابهم مع حديث عن توزيعهم بين دول القارة.

تتغير مواقف القادة ومعها تتغير آمال اللاجئين، وربما تتبدد على أرصفة الانتظار القاتل، بحثا عن وطن مؤقت، لا يعتبرهم "إرهابيين بالضرورة"، بعد أن أصبحت مواصفات اللاجئ وحدها غير كافية للحصول على تصريح الدخول.

لاجؤون يتوجهون نحو مكتب تسجيل بمقدونيا بعد أن عبروا الحدود اليونانية (الأوروبية)

خطاب ومطالب
وإن اختار بعض ساسة أوروبا مراجعة حساباتهم بملف اللاجئين، فإن خطاب آخرين يزيد من حدّة الرفض والتطرف، وهو ما انعكس في تصريحات عدد من الساسة، الذين وجدوا في أحداث باريس الأخيرة مبررا كافيا لتخوفاتهم من تدفق اللاجئين.

زعيمة حزب الجبهة الوطنية الفرنسي اليميني المتطرف مارين لوبان، قالت إن "الإرهابيين يتسللون بين وفود المهاجرين"، معتبرة أن الأحداث التي جدت في باريس 13 نوفمبر/ تشرين الأول الحالي، يجب أن تدفع فرنسا بشكل عاجل إلى "إعادة رسم حدودها الوطنية"، في إشارة إلى معاهدة شنغن التي سهلت التنقل بين الدول الأوروبية.

ولم تكتف لوبان بهذا، بل طالبت فرنسا بالحد من استقبال اللاجئين ومن انتشارهم على الأراضي الفرنسية.

أما رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان الذي دعا منذ البداية إلى وقف ما سماها فوضى اللاجئين، قال إن "جميع الإرهابيين هم في الأساس مهاجرون".

مارين لوبان:
الإرهابيين يتسللون بين وفود المهاجرين، والأحداث التي جدت في باريس 13 نوفمبر/ تشرين الأول الحالي، يجب أن تدفع فرنسا بشكل عاجل إلى إعادة رسم حدودها الوطنية.

هواجس وكراهية
ويبدو أن الهاجس الأمني والتخوّف من اللاجئين لم يصب فقط السياسيين في أوروبا، بل وجد له صدى واسعا في الولايات المتحدة، حيث شبّه بن كارسون أحد المرشحين الجمهوريين لسباق الرئاسة الأميركية، اللاجئين السوريين بـ"الكلاب المسعورة".

وقبل أسابيع توعد المرشح الرئاسي الجمهوري الأميركي دونالد ترامب بأنه سيعيد جميع اللاجئين السوريين الذين تقبلهم الولايات المتحدة إلى سوريا إذا انتخب رئيسا.

ولا تغيب عن أغلب تصريحات المتنافسين الجمهوريين لهجة الكراهية والعداء للاجئين والمسلمين، مثل رفض استقبال اللاجئين وخاصة السوريين وترحيل من استقروا بأميركا، أو استقبال المسيحيين فقط من الشرق الأوسط.

وفي الوقت الذي يستغل فيه مرشحو الرئاسة الأميركية، خطاباتهم للتأثير على توجهات الناخبين، ذهب أعضاء مجلس النواب الأميركي -يهيمن عليه الجمهوريون- إلى أبعد من ذلك عبر تصويتهم بنعم على مشروع قانون يهدف إلى تعليق استقبال اللاجئين العراقيين والسوريين إلى أن تتخذ إجراءات مشددة في الانتقاء.

بعض السياسيين اعتبر أن كل اللاجئين "إرهابيين" بالضرورة (أسوشيتد برس)

انتقاد ورفض
وهي خطابات وخطوات وإن وجد لها كثير من الساسة والداعمين تبريرات لأن "البقاء بأمان أفضل من المخاطرة والندم"، -على حد قول رئيس مجلس النواب الأميركي بول راين-، فإنها تبقى محل انتقاد.

المتحدث باسم الأمم المتحدة اعتبر أن هذه الدعوات تمثّل "خطابا متعاليا وتصاعدا في لغة يتحدث فيها الناس عن تمييز، وعن عدم احترام للاجئين والمهاجرين، الذين فروا من عنف مروع".

أما الرئيس الأميركي باراك أوباما فجدد معارضته لرفض إيواء اللاجئين في بلاده، معتبرا أنها تتعارض مع قيم المجتمع الأميركي متعدد الأطياف والأعراق والديانات.

وبين موافق ومعارض لإيواء اللاجئين ومُطالب بإجراءات انتقائية مشدّدة، تبقى أزمة الآلاف معلّقة في انتظار قرارات الساسة المتغيرة، والخاضعة لتطورات الأوضاع الراهنة، التي يأملون أن لا تكون عاصفة بأحلامهم التي تاهت بين أزمات متعددة لم تغب عنها حسابات السياسة الضيقة.

المصدر : الجزيرة