على وقع مثل هذه العمليات "الإرهابية"، وفي ظل وضع سياسي يلملم جراحه، وواقع اقتصادي لا يبشر بخير قريب، يحاول التونسي رغم كل شيء التمسك بذلك الخيط الرفيع من الأمل، في محيط بات فيه هدير "الإرهاب" عابرا للقارات والبحار.

ماهر خليل

تهدأ الأوضاع الأمنية في تونس برهة، يأمل الناس أن تطوي خلفها صفحة من الأحداث العنيفة التي عاشوها خلال هذا العام، لكن سرعان ما تخفت الأمنيات وتتبدد مع تجدد الأنباء عن هجمات وقعت وأخرى أجهضت بتفكيك خلايا كانت تخطط لتفجيرات واغتيالات.

وتعيد هذه العناوين لأذهان التونسيين، المنهكين أصلا بين متاهات تأمين لقمة العيش ومستلزمات الحياة الكريمة، مشاهد هجمات تبناها "جهاديون" ضربت أمن البلاد واقتصادها في مقتل، كان أكثرها دموية في متحف باردو بالعاصمة تونس ربيع هذا العام، وفي فندق بمدينة سوسة الساحلية الصيف الماضي، وخلفا عشرات الضحايا، أغلبهم من السياح.

وتزامنت تلك الأحداث مع صعود حركة نداء تونس إلى سدة الحكم، ودخول البلاد ما أطلق عليه أنصار هذا الحزب الفتي مرحلة الاستقرار السياسي والأمني والإقلاع الاقتصادي والخروج مما وصفوه بحقبة اضطرابات طبعت سنوات حكم ائتلاف "الترويكا" بقيادة حزب حركة النهضة، بعد سقوط نظام المخلوع زين العابدين بن علي.

وخلال الأسابيع الأخيرة، عاد شبح الاغتيال السياسي يخيم على المشهد من جديد بعد محاولة فاشلة لقتل النائب بمجلس نواب الشعب عن نداء تونس رضا شرف الدين، إذ نجا رجل الأعمال ورئيس فريق النجم الساحلي الشهير بما يشبه المعجزة من موت محقق، بعدما أمطر مسلحون سيارته بوابل من الرصاص لدى توجهه إلى مصنعه في محافظة سوسة.

وعاشت تونس خلال فترة الحكم الانتقالي بعد الثورة عمليتي اغتيال ذهب ضحيتها شكري بلعيد والحاج محمد البراهمي، وهما من أعتى معارضي الترويكا آنذاك، ولا زالت ملابسات الاغتيال غامضة حتى اليوم، رغم توجيه أصابع الاتهام إلى عناصر "تكفيرية" أعلنت السلطات قتل بعضهم وتحصن آخرين بالفرار.

ذوو جندي قتل في جبال الشعانبي بكمين لمقاتلي كتيبة عقبة بن نافع (الأوروبية)

تفجيرات واغتيالات
وفي محافظة سوسة دائما، تواترت الأخبار في الأيام الماضية عن تفكيك خلية "إرهابية" قالت السلطات إن عناصرها كانت تضع اللمسات الأخيرة لتفجير منشآت سياحية وأمنية واقتصادية وتنفيذ سلسلة اغتيالات تستهدف شخصيات سياسية ورياضة على مستوى رفيع في هذه الجهة التي شكلت -ولا تزال- مركزا للنفوذ السياسي في الدولة.

ورغم أن وزارة الداخلية لم تقدم بعد التفاصيل الكاملة للعملية بحجة استمرار العمليات، فإن مصادر عديدة تحدثت عن تلقي عناصر الخلية تدريبات في معسكرات في ليبيا يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، قد تكون في درنة شرقا أو صبراتة غربا قرب الحدود التونسية.

وقد تلقى منفذا الهجومين في باردو ياسين العبيدي وحاتم الخشناوي، وفي سوسة سيف الدين الرزقي، التدريب على حمل السلاح والتخطيط للعمليتين في معسكرات لتنظيم الدولة بليبيا، علما أن عددا كبيرا من الشباب التونسيين التحقوا بالتنظيم هناك، خاصة بعد حظر السلطات التونسية جماعة "أنصار الشريعة" التي تتبنى الفكر السلفي.

جنازة جندي قتل في مواجهات مع مسلحي كتيبة عقبة (غيتي)

هدف جديد
وحتى في الضفة الغربية من ربوع مهد ثورات العرب، وتحديدا في الجبال الحدودية مع الجزائر، حيث ينشط مقاتلو "كتيبة عقبة بن نافع" و"أجناد الخلافة"، لا يقل الأمر قتامة، فقد انتقل "جهاديو" هذه الجماعات من ضرب "طواغيت" الجيش والأمن إلى هدف جديد تمثل في من أسموهم "الجواسيس والخائنين" المتعاونين معهم.

وفي عملية جديدة قال مراقبون إنها مقصودة وتنبئ عن إستراتيجية "التوحش" التي تنتهجها هذه الجماعات، صدم التونسيون قبل أيام بفاجعة قطع رأس فتى يرعى الأغنام في جبل المغيلة بمحافظة سيدي بوزيد على يد "جهاديين" بثت لاحقا شريطا مصورا أظهر اعتراف الضحية مبروك السلطاني بتعاونه "استخباريا" مع أجهزة الأمن.

وفي ما بدا تحذيرا على الطريقة "الداعشية" موجها لأهالي سفوح الجبال ولكل من تسول له نفسه من الرعاة -خاصة- الإبلاغ عن تحركات عناصر الجماعة للجيش والحرس الوطني (الدرك)، قام المسلحون بوضع رأس الراعي الصغير في كيس وإرساله لعائلته مع صديقه الذي شاهد عملية الذبح والقطع عنوة.

وعلى وقع هذه العمليات والأخبار التي باتت تتكرر بشكل شبه يومي وتملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وفي ظل وضع سياسي يلملم جراحه وواقع اقتصادي لا يبشر بخير قريب، يحاول التونسي رغم كل شيء التمسك بذلك الخيط الرفيع من الأمل، في محيط بات فيه صدى  "الإرهاب" يتردد في الضفة المقابلة بالبحر المتوسط.

المصدر : الجزيرة