يعتصر الألم والدة الشهيدة رشا عويصي بعد فقدانها أصغر بناتها، وهي التي كانت تستعد لأن تزف لعريسها. ومما يزيد من ألمها إصرار الاحتلال على احتجاز جثمان الشهيدة، مثلها في ذلك مثل أكثر من 30 عائلة فلسطينية ارتقى أبناؤها شهداء.

 ميرفت صادق-رام الله

"أريد لها أن تخرج من البيت بالورد والحناء.. أن أدفنها وينغلق جرحي قليلا".. هذا ما تحدّث به أم الشهيدة رشا عويصي نفسها يوميا منذ قتل الاحتلال ابنتها ومنع تسليم جثمانها.

وفي بيت عزاء مفتوح، تبث الأم حزنها على الشهيدة (وهي أصغر أبنائها)، وناشدت الصليب الأحمر والسلطة الفلسطينية وكل من يقدر على التدخل العمل على إعادة جثمان ابنتها لتدفنها.

وحسب الأم، فقد سعت رشا إلى عملية الطعن لتأثرها بمشاهد القتل الذي أحدثه الاحتلال ضد أبناء الشعب الفلسطيني. وتضيف أنها كانت تبكي يوميا وهي تتابع أخبار الشهداء، رغم أنها كانت في مرحلة التحضير لعرسها.

وتقول الأم إن رشا في يومها الأخير قبل استشهادها، قالت "إني طلبت الشهادة من الله، فلا تحزنوا وأنشدوا لي في جنازتي". وتضيف الأم "أريد استعادتها كي أشيّعها عروساً مثلما طلبت".

واستشهدت عويصي (23 عاما) -وهي الطالبة الجامعية المتفوقة بقسم العلوم في الجامعة المفتوحة- عند حاجز جنوب مدينة قلقيلية (شمالي الضفة الغربية) بعدما استهدفها جنود الاحتلال بـ17 رصاصة، كما ذكر ضابط المخابرات الإسرائيلي لوالدها عند طلبه مشاهدة جثمانها.

وبعد أسبوعين من ذلك، لا تزال عائلة عويصي تجهل مكان احتجاز جثمان ابنتها، وانضمت إلى 32 عائلة فلسطينية تنتظر تسلّم جثامين أبنائها الشهداء الذين أعدمهم الاحتلال.

وأطلقت إذاعات ومحطات تلفزة فلسطينية حملة إعلامية الأحد لإسناد مطالب العائلات باسترداد جثامين أبنائها ودفنها بصورة كريمة، وكذلك للضغط على السلطة الفلسطينية والمؤسسات الحقوقية من أجل تحرك فاعل في هذا الملف.

وتبنى مركز القدس للمساعدة القانونية ملف استرداد جثامين الشهداء قانونيا، وتقدم مؤخرا بالتماسات لوزير الأمن الداخلي الإسرائيلي لتسلم الجثامين ومنها 11 شهيدا من القدس و13 من محافظة الخليل وحدها، والبقية من مناطق مختلفة في الضفة.

ولفت مدير المركز عصام العاروري إلى خرق الاحتلال تعهدا للنيابة العسكرية الإسرائيلية أمام المحكمة العليا قبل شهر من اندلاع الهبة الشعبية الفلسطينية مطلع أكتوبر/تشرين الأول الماضي، بعدم احتجاز جثامين لفلسطينيين في أي أحداث قادمة، وبالإفراج عن المحتجزة سابقا.

وحسب البيانات الفلسطينية تحتجز إسرائيل 268 جثماناً في ما تسميها "مقابر الأرقام"، بعضها منذ عقود طويلة، إلى جانب 19 جثماناً لشهداء قتلوا في الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة.

 قوات الاحتلال أثناء انتشارها في مدينة الخليل جنوبي الضفة (أسوشيتد برس)

قضية سياسية
وبالتوازي مع الجهد القانوني، ينشط مركز القدس في تحريك شركاء دوليين ومنظمات حقوقية أجنبية للضغط على إسرائيل من أجل إغلاق ملف احتجاز جثامين الشهداء.

وأشار العاروري إلى التماسات خاصة رفعت باسم عائلات الشهداء من مدينة القدس، موضحا أن الاحتلال يتشدد في المطالبة بتحريرهم وهم الذين لم تشملهم عمليات إعادة الجثامين الجزئية في الشهرين الأخيرين.

ورغم الجهود المبذولة، تعتقد المنظمات الحقوقية أن احتجاز جثامين الشهداء قضية سياسة ترمي إلى معاقبة عائلاتهم وردع كل من يفكر في تنفيذ عمليات ضد جيش الاحتلال والمستوطنين.

وألقى العاروري بالمسؤولية السياسية على السلطة الفلسطينية بضرورة تبني الملف والضغط لإنهائه دون أن تتحول معاناة أهالي الشهداء -كما قال- إلى "موضوع تفاوضي" مثلما حدث أثناء تدخل السلطة للإفراج عن عدد من جثامين الشهداء في الخليل لقاء تهدئة الأوضاع في المحافظة قبل أسابيع.

ويتذرع الاحتلال بأن تسليم جثامين الشهداء سيعزز من "حالة التوتر" إذا نظمت للشهداء جنازات واسعة، كما جاء في رد المستشار القضائي للحكومة الإسرائيلية على الالتماسات الأولى لذوي شهداء القدس.

ورد الناطق باسم عائلات الشهداء محمود عليان بأن ذرائع الاحتلال بأن تسليمهم سيخلدهم ويحولهم إلى نماذج يحتذي بها الكثيرون باطلة، لأن الفلسطينيين ينظرون إليهم كأبطال سواء دفنوا بين عائلاتهم أو احتجزوا في ثلاجات الاحتلال.

وبالعكس، يعتقد عليان الذي استشهد ابنه "بهاء" بعد تنفيذه عملية طعن وإطلاق نار في حافلة إسرائيلية بالقدس أدت إلى مقتل وإصابة عدة مستوطنين، أن عدم تسليم جثامين الشهداء يؤجج الهبة الشعبية ويدفع باستمرارها.

المصدر : الجزيرة