تعد الرقة ثالث محافظة سورية من حيث المساحة وفي باديتها الواسعة أكبر ثروة حيوانية في سوريا، كما تصفها بعض مصادر التاريخ بأن "هواءها عليل وماءها فرات وترابها ذهب". ولموقعها الإستراتيجي الواصل بين سوريا والعراق، باتت الرقة معقل تنظيم الدولة الإسلامية.

أمين الفراتي-الرقة

لم يدر بخلد أبناء مدينة سورية منسية، ومهملة تقع إلى الشرق من العاصمة دمشق بنحو 500 كيلومتر، أن تتحول إلى عاصمة لتنظيم الدولة الإسلامية ويقصفها الطيران من كل دول العالم ليل نهار، وتتابع أخبارها كل وسائل الاعلام، في وقت يركض أبناؤها في شوارعها خوفا ووجلا.

إنها الرقة المدينة التي تضرب جذورها بعيداً في عمق التاريخ، والتي تحولت من مدينة آمنة وهادئة تطل على نهر الفرات، إلى ميدان للموت يحصد أرواح أبناء المدينة الخائفين وغير القادرين على الهرب منها.

مرت عليها حضارات أمم متعددة، وداست أراضيها أقدام الغازين والعابرين، ودارت بالقرب منها معركة صفين الفاصلة في التاريخ الإسلامي، وفي ترابها دفن بعض صحابة المصطفى صلى الله عليه وسلم، ومنهم عمار بن ياسر رضي الله عنه.

كما كانت معقل الأمويين الأبرز في شرق بلاد الشام، وفي باديتها أقام الخليفة هشام بن عبد الله مدينة الرصافة التي ما زالت موجودة حتى اليوم، كما كانت معشوقة الخليفة العباسي الأشهر هارون الرشيد يأتيها صيفاً من بغداد.

ولا تزال آثار الرشيد موجودة حتى وقتنا الراهن من "باب بغداد" إلى "قصر البنات" إلى السور الذي كان يحميها، أما أهلها فهم عرب أقحاح ينتمون إلى أعرق القبائل العربية.

الرقة تقع على ضفة نهر الفرات اليسرى (الجزيرة نت)

إهمال طويل
لم تعرها الجمهورية الأولى في سوريا التي تشكلت عام 1946 بعد استقلال البلاد عن فرنسا كثير اهتمام. وعندما جاءت الجمهورية الثانية (جمهورية البعث) عام 1963، أقيم على فراتها أكبر السدود في الشرق الأوسط، فتحولت لسلة غذاء سوريا، حيث تُزرع في أراضيها المحاصيل الإستراتيجية من قطن وقمح، غير أنها بقيت مهملة منسية.

وفي عهد "جمهورية الخوف"، جمهورية الأسد التي بدأت في العام 1970، كانت الرقة "الدجاجة التي تبيض ذهبا"، حيث اكتشف في باطن أرضها البترول الذي لم ينعكس رفاهية على حياة "الرقيين"، بل زادهم بؤساً، وأصبحت الرقة في الألفية الجديدة بيئة طاردة لأبنائها، فتفرقوا في البلاد، حيث تحالف ضدها الإهمال وسوء الإدارة.

وعندما جاءت الثورة، ثارت الرقة وخرجت عن أيدي النظام في بدايات عام 2013، ولكن إهمال المعارضة لها، واختلاف الفصائل، والقصف المتواصل من طيران الأسد جعلها فريسة سهلة لتنظيم الدولة الإسلامية الذي كان متحفزا ينتظر الفرصة، حيث فرض سيطرته المطلقة عليها في بدايات عام 2014.

غالبية سكان المدينة فروا من القصف وباتت شوارعها فارغة (الجزيرة نت)

عاصمة الخلافة
ولموقعها الإستراتيجي الواصل بين سوريا والعراق، باتت الرقة معقل تنظيم الدولة الأبرز وعاصمة خلافته ومركز القرار لقيادته، حيث بات يقصدها المقاتلون "المهاجرون" من مختلف أنحاء العالم، أما أهلها فقد غادر عدد كبير منهم المدينة فراراً بأرواحهم، حيث بات مألوفا أن ترى شوارعها وهي شبه خالية.

بدأ طيران النظام يغير عليها مرتكباً المجازر بحق أهلها وآلاف الباحثين عن الحياة الذين نزحوا إليها من مختلف أرجاء سوريا، ثم جاء طيران التحالف الدولي ليدك أحياءها ومبانيها وبنيتها التحتية وجسورها بحجة "محاربة الإرهاب"، ثم جاء الطيران الروسي، فالفرنسي، لتغدو سماء الرقة فضاء للطائرات.

يصفها الفنان التشكيلي عبد الكريم الحسن (وهو أحد أبنائها) قائلا "الرقة قبلة الفرات العذب، وشعبها طيب لا يعرف الحقد، ويجهل التصنع، متسامح يبتسم كرغيف خبز التنور، على مر العصور لم تشهد مدينتي أشرس من هذا الدمار الذي حل بها. شبابها إما فقدوا حياتهم، وإما هُجّروا من وطنهم ومسقط أحلامهم".

ويضيف "الرقة اليوم تأتيها الريح من كل اتجاه، وأهلها خائفون، تشخص عيونهم إلى السماء، بحيث باتوا يعرفون جنسيات الطائرات التي تزرع الموت في محافظة سورية لم ترد يوما أن تكون عاصمة لأحد".

المصدر : الجزيرة