بغزوها لفندق راديسون بلو وسط العاصمة المالية بماكو تسجل القاعدة حضورا قويا في وقت يهيمن فيه زخم تنظيم الدولة الإسلامية، وتبعث رسالة أخرى مفادها أنها معنية بإنهاك فرنسا وتشتيت قواها عبر ضرب عمقها الإستراتيجي بعيد أيام فقط من هجمات باريس.

أحمد الأمين-نواكشوط
 
لم يستفق العالم من هول صدمة هجمات باريس حتى تركزت الأنظار أمس الجمعة صوب العاصمة المالية بماكو على وقع عملية احتجاز أكثر من 170 رهينة في فندق راديسون بلو الراقي، حيث عادة ما يتواجد الأجانب وكبار الضيوف.

بين العاصمتين مسافات شاسعة، لكن بينهما الكثير من وشائج القربى السياسية والمصالح المشتركة، وبين العمليتين تقارب في الزمان وتقاطع في الإيلام، وتحملان رسائل مشتركة، لكن رسائل الأخيرة قد يبدو بعدها الإقليمي أكثر وضوحا.

توقيت عملية بماكو التي أسفرت عن مقتل 27 شخصا بدا لافتا إقليميا ودوليا، فعلى المستوى الدولي جاءت بعد أيام قليلة من عمليات باريس المدوية، وعلى المستوى الإقليمي جاءت متزامنة مع قمة مجموعة دول الساحل الخمس، وهي مالي وموريتانيا والنيجر وتشاد وبوركينا فاسو التي أنشئت عام 2014 بهدف مواجهة الإرهاب والعنف المسلح.

ويقرأ المحللون السياسيون والمراقبون للأحداث في منطقة الساحل عموما وشمال مالي خصوصا هذه العملية في أكثر من سياق، فهي تأكيد على الحضور القوي لزعيم تنظيم "المرابطون" مختار بلمختار، وتأكيد منه ومن تنظيم القاعدة الأم على أنه لم يتأثر سلبا بظهور تنظيم الدولة الإسلامية بالساحل الأفريقي.

ويرى المدير الناشر لصحيفة بلادي المهتم بقضايا الأمن في منطقة الساحل موسى ولد حامد أن البعد التنافسي بين القاعدة وتنظيم الدولة واضح، وهو أمر بات ملحوظا في المنطقة.

video

الحضور والقرار
يلاحظ أنه بعد كل عملية يقوم بها تنظيم الدولة خارج المركز (العراق وبلاد الشام) لا بد أن تنفذ القاعدة عملية ما للتأكيد على أنها لا تزال موجودة وفاعلة على الأرض وتمتلك قرارها وعناصرها وبعدها الإقليمي وحاضنتها الاجتماعية.

لكن ولد حامد يقول في حديث للجزيرة نت إن الرسالة الأبرز في هذه العملية موجهة لدول المنطقة مؤداها أن جهودها لمحاربة الإرهاب لا تزال قاصرة، والدليل أن التنظيمات المسلحة قادرة على الضرب في عمق الأراضي المالية وليس في الشمال وحده.

ويضيف أن تزامن العملية مع انعقاد قمة مجموعة الساحل التي أنشئت للتصدي للإرهاب يحمل رسالة شديدة الوضوح للمجتمعين أن كل المقاربات المعتمدة لم تستطع ملامسة لب المشكل ولم تقض على التنظيمات المسلحة التي كانت ضيفا ثقيلا على القمة اليوم من خلال هذه العملية.

ويتقاطع رأي الصحفي المختص في شؤون مالي حسين أغ عيسى مع رأي ولد حامد في بعض جوانبه، فهو يعتبر أن "العملية تدخل في إطار التنافس بين تنظيم الدولة والقاعدة على إثبات الحضور والقدرة على الفعل في مالي ومنطقة الساحل، للمحافظة على أنصارها والإبقاء على بريقها".

video

رسائل عديدة
ويقول أغ عيسى في حديث للجزيرة نت عبر الهاتف من تمبكتو إن العمليات التي تقوم بها القاعدة والحركات القريبة منها تحمل رسالة وجود لتنظيم الدولة وأخرى لفرنسا أكثر قوة مفادها أن كل ما قامت به باريس لم ينه هذه التنظيمات ولم يقض على قدراتها.

من جانبه، يرى الصحفي الموريتاني المتخصص في التنظيمات المسلحة أحمدو ولد محمد المصطفى أن عملية "راديسون بلو" حملت رسائل عديدة محلية وإقليمية ودولية، ناظمها المشترك أن هذه الحركات لا تزال موجودة وتملك زمام المبادرة.

ويضيف مصطفى في حديث للجزيرة نت أن من يتابع العمليات التي قامت بها هذه الحركات -بما فيها عملية بماكو- سيجد أنها بمثابة منبهات للفرنسيين "بأننا ما زلنا هنا وإذا كنتم تراهنون على طردنا فعليكم البقاء أكثر في هذه المنطقة".

ويلاحظ مصطفى أن العملية تكسب تنظيم القاعدة أوراقا في مواجهة تنظيم الدولة الباحث عن موطئ قدم في الشمال المالي، وتقرب بلمختار أكثر من العودة إلى تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي بعد أن أخذ خطوات في الابتعاد عنه خلال السنتين الأخيرتين.

المصدر : الجزيرة