بغداد-الجزيرة نت

كانت الأزياء الشبابية ذات الألوان الصاخبة والموديلات الحديثة هي التي تنتشر في شوارع العاصمة العراقية بغداد، لكن اليوم هناك من جعل هذه الألوان تتلاشى أو تضيع مع الكم الهائل من الألوان العسكرية التي صار حتى الشباب يرتديها بدلا من الزيَ المدني.

وفيما عُرفت بغداد منذ عقود طويلة بأنها واحدة من أشهر المدن العربية التي يفد الناس إليها من البلدان الأخرى للدراسة وطلب العلم ومعرفة النتاجات الثقافية، أصبحت الآن مدينة عسكرية، أكثر ما فيها السلاح والسيارات العسكرية الرسمية التابعة للدولة العراقية وغير الرسمية.

كما تنتشر في بغداد بكثرة محال بيع الملابس العسكرية للجميع، فمن السهل على أي شخص الذهاب لأي مشغل خياطة واختيار وشراء ما يحلو له من الأزياء العسكرية وبكل أصنافها، مع الرتَب العسكرية والشعارات الخاصة بالأجهزة الأمنية العراقية، وحتى تلك التابعة لمليشيا الحشد الشعبي.

وتغيب ملامح التمدن عن العاصمة التي تكاد تكون أشبه بالثكنة العسكرية، فرغم القرارات المستمرة للحكومة العراقية في أوقات سابقة بضرورة حصر السلاح بيد الدولة ومنع وجود أية عناصر عسكرية في العاصمة غير القوات الأمنية، فإن هذا لم يحصل وبقي الحال على ما هو عليه.

وفي شوارع بغداد يُمكنك أن تعرف جميع أصناف القوات الأمنية العراقية وأسلحتها وشعاراتها والأشخاص العاملين فيها، حتى أرقام سياراتهم يمكنك أن تعرفها، فهي منتشرة في كل مكان، ومقابل ذلك هناك مئات السيارات العسكرية الأخرى التابعة للمليشيات وزعماء الأحزاب، وجميعها مسلحة وبألوان عسكرية بحتة.

مليشيا عراقية تتجول في منطقة الحسينية شمالي بغداد (الجزيرة)

كيانات مسلحة
ويقول الصحفي العراقي علي السراي للجزيرة نت إن انتشار المسلحين في بغداد ليس جديدا، فـ"الحرب الأهلية" أسست عام ٢٠٠٦ لكيانات مسلحة تحمي الطوائف، ولم يحدث أن تخلت عن ترسانتها حتى مع جهود الحكومات المتعاقبة لتجميد المظاهر المسلحة.

ويضيف أنه بعد سنوات من هذا التأسيس لمصادر القوة المسلحة خارج الدولة، ثمة عامل جديد منح الجماعات مبررات بأن تحصل على شرعية الظهور ومنافسة القوة المسلحة النظامية، وأحيانا تتفوق على نفوذها، وهذا حدث بعد سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على محافظات عراقية، وظهور قوات من المتطوعين خارج الجيش لمقاتلة التنظيم.

ويشير السراي إلى أن المقلق الآن هو صعوبة تسوية هذا السلاح والقضاء عليه في السنوات الخمس المقبلة على أقل تقدير، خصوصا أن الذين تصدوا لتنظيم الدولة الإسلامية أصبحت لديهم طموحات سياسية، وما من فرضيات راهنة تسمح بتحييد هذا السلاح.

من جهته يقول الكاتب والصحفي العراقي عدنان حسين للجزيرة نت إن أكثر ما يكرهه العراقيون هي العسكرة التي ما عادت تمثل لهم مهمة وطنية، فعلى مدى ثلاثة عقود عسكر حزب البعث الدولة والمجتمع، فكانت الحروب الداخلية والخارجية المهلكة والمدمرة، ولم يتحقق للعراقيين حلمهم بالأمن والسلام والتنمية.

ويضيف أن "الإرهاب" وضعهم في حالة حرب جديدة والمليشيات تروعهم داخل مدنهم التي تنشر فيها عناصرها المسلحة أكثر من عناصر قوات الدولة، بينما "تظهر قوات الدولة تقدما في الالتزام بالقانون ومراعاة حقوق الإنسان تتصرف عناصر المليشيات بحرية منفلتة ولا تستطيع حتى قوات الدولة ردعها، وهذا ما سيؤسس على المدى البعيد لانهيار الدولة وقيام دويلات المليشيات المتصارعة على السلطة والنفوذ والمال"، وفقا لحسين.

المصدر : الجزيرة