تزدحم سماء سوريا -والرقة تحديدا- بطائرات من أقصى العالم إلى أقصاه، حيث الكل يريد أن يقدم أوراق اعتماده لمجتمعه أو الغرب عبر قصف الرقة ليدّعي أنه "يحارب الإرهاب في عقر داره".

محمد كناص-غازي عنتاب

تتحول مدينة الرقة السورية -معقل تنظيم الدولة الإسلامية- إلى ساحة لانتقام أي دولة أو جهة يستهدفها التنظيم، حتى باتت سماء الرقة تتطلب من ينظم مرور الطائرات فيها كي لا تتصادم.

فبعد ثلاثة أيام من سقوط الطائرة الروسية بسيناء، كانت الرقة على موعد مع قصف للطيران الروسي، شمل نقاطا عدة في قلب المدينة وأطرافها، وأغلبها أحياء سكنية، بالإضافة إلى المشفى الوطني وقسم الإطفاء.

وبعد يومين فقط من هجمات باريس، شنت مقاتلات فرنسية نحو ثلاثين غارة على مواقع قال التنظيم إنها الفرقة "17" ومعسكر الطلائع ومواقع أخرى، ثم جددت فرنسا قصفها المناطق ذاتها في مدينة الرقة.

ويرى سكان المدينة أن قصفها بات يعطي رصيدا للأطراف الدولية أمام المجتمع الدولي في "بنك محاربة الإرهاب".

ويتابعون أن الدول تتسابق لاستهداف معاقل "تنظيم يتصدر قائمة الإرهاب في العالم"، دون الالتفات للخاسر الأكبر وهم المدنيون الأبرياء الذين لا حول لهم ولا قوة.

التنظيم أخفى فجأة كل أسلحته ونقاطه العسكرية التي كانت منتشرة في أحياء الرقة (الجزيرة)

إخفاء الأسلحة
وتتحدث مصادر محلية من المدينة عن أن القصف لم يؤثر على "بنية التنظيم الصلبة"، وأن الأخير أخفى فجأة كل أسلحته ونقاطه العسكرية التي كانت منتشرة في أحياء المدينة، ونقل جميع مقراته إلى أماكن مجهولة، وبعضها تحت الأرض.

وتختم المصادر -في حديث للجزيرة نت- بأن قصف الطيران -على اختلاف هويته- يحصد فقط المزيد من المدنيين.

ويحاول تنظيم الدولة الإسلامية -بحسب أحد صحفيي المدينة- إغراء المدنيين بوظائف بمؤسساته، وقليلون هم من يستطيعون قبولها لتبعات أمنية ومخاطر تتهدد حياتهم، حيث غالبا ما تكون الأماكن التي يتم تعيينهم فيها هدفا مغريا لقصف الطائرات.

ويتابع أن جميع مؤسسات الدولة، من بنوك ومديريات ومجالس محلية وبلديات ومؤسسات خدمية، توقفت عن العمل لحساب مؤسسات التنظيم، عدا العاملين في سد الفرات، وذلك بسبب المصالح المتبادلة بين النظام والتنظيم.

ويرى الصحفي أن القبضة الحديدية التي يدير بها التنظيم شؤون الناس أدت إلى هرب الناس لمناطق نائية في الريف، لأن مقرات التنظيم أبعد عن المناطق السكنية مما هي عليه في المدينة، كما أن الريف الذي يشكل سلة غذائية للناس ما زال كذلك، حيث يعتمد الأهالي في تلك المناطق على الأرض في كسب رزقهم وفي تأمين لقمة عيشهم.

إلا أن محصول الأرض -يلفت الصحفي- لم يعد وفيرا، لندرة الأسمدة التي باتت المادة الأكثر استخداما في صناعة العبوات الناسفة والمفخخات، وبسبب عدم وصول الأسمدة من مناطق النظام، ومنع نقل هذه المادة إلى المناطق الخارجة عن سيطرة التنظيم، يضاف إلى ذلك أن عملية تسويق المحصول باتت محصورة في مناطق سيطرة التنظيم، مما سبب انخفاضا في أسعارها.

أعداء الدولة
ويعمل التنظيم وفق محددات تقدم الأمن على كل ما سواها، والالتزام بتلك المحددات لا يبعد عن المنظمات الإغاثية والعاملة في القطاع الإنساني شبهة التعامل مع أعداء "الدولة الإسلامية".

وأدت الصور والفيديوهات المنتجة برؤية سينمائية وتقنيات احترافية عن قتل أشخاص عاملين في القطاع الخدمي والإنساني والصحي التي بثتها وسائل إعلام التنظيم، إلى هروب جميع المؤسسات ذات الصلة، كما أن الكفاءات والخبرات فضلت ترك المنطقة على أن تعمل في بيئة أمنية أي خطأ أو شبهة أو تهمة فيها يمكن أن تودي بحياة صاحبها، فمدينة الرقة وريفها حاليا خالية تماما من أي مؤسسات إنسانية مستقلة أو دولية تعمل في القطاع المجتمعي أو الإعلامي.

وتركت السياسة الأمنية الرقة وريفها في وضع صحي صعب، لا سيما أن الطيران يستهدف مقرات التنظيم حتى لو كان مشفى أو نقطة طبية، الأمر الذي زاد الأوضاع سوءا.

المصدر : الجزيرة