مروان الجبوري-بغداد

برزت في السنوات الأخيرة في العراق مشكلة ابتزاز الأطباء من قبل بعض أهالي المرضى الذين يتوفون بعد العمليات الجراحية التي تجرى لهم أو في حال تعرضهم لمضاعفات مرضية أثناء العلاج، وعادة ما يتم إخضاع هؤلاء الأطباء المعالجين لغرامات مالية كبيرة وفقا لقانون العشائر.

وحسب بعض الأعراف العشائرية فقد تصل قيمة التعويض إلى خمسين مليون دينار أي ما يزيد على الأربعين ألف دولار، وقد يزيد المبلغ تبعا للحالة, أما من يرفض دفع الأموال فقد يعرض نفسه للقتل أو إغلاق عيادته على أقل تقدير.

ووفقا للمرصد العراقي لحقوق الأطباء فقد ازدادت وتيرة هذه العمليات في السنوات الأخيرة، لتشمل أطباء عاملين في المستشفيات الحكومية والخاصة, من قبل أهالي بعض المرضى ومنتسبين للقوات الأمنية.

ويطالب المرصد الذي يمثل شريحة كبيرة من الأطباء بتفعيل قانون (حماية الأطباء) والذي تم إقراره عام 2013، ومن أهم بنوده فتح مراكز شرطة مخصصة لحماية العاملين في المؤسسات الصحية، وأن يكون وزير الصحة هو المسؤول عن حماية الأطباء أمنيا وقانونيا وموكلا عنهم.

قوة أمنية
كما طالب المرصد بتشكيل قوة أمنية خاصة تابعة إلى وزارة الداخلية لحماية الكوادر الطبية والصحية، والتفريق بين الأخطاء الطبية وفشل استجابة المريض للعلاج، وإحالة المقصرين من الأطباء إلى محاكم مختصة، لحماية حقوق الطبيب والمريض على حد سواء.

القوات الأمنية تكثف من تواجدها قرب العيادات الطبية خوفا من حدوث حالات اعتداء (الجزيرة نت)

وقال الناطق باسم وزارة الصحة, الدكتور أحمد الرديني, إن الاعتداءات تأخذ أشكالا مختلفة، ما بين لفظية وجسدية قد تصل إلى حد القتل، ولعل أبرزها هي ظاهرة الفصل العشائري بسبب المضاعفات الطبية، والتي أصبح البعض يعتبرها أخطاء طبية, وأضاف أن جانب الرصافة شهد خلال هذا العام تسعين حالة اعتداء مختلفة, فيما تتلقى الوزارة يوميا شكاوى من مناطق بغداد المختلفة وبقية المحافظات.

وذكر الرديني أن حالات الابتزاز تحولت بمرور الوقت إلى ممارسات احترافية تقوم بها عصابات متخصصة، ينتحل بعضها صفة شيوخ عشائر، وقد تحولت إلى وسيلة للكسب المادي السهل، مما أدى بالكثير من الأطباء إلى ترك اختصاصات طبية هامة ولا سيما الجراحية منها.

ويرى الرديني أن الحل يكون في أن تأخذ المؤسسات الأمنية دورها لمحاسبة المتجاوزين، وتفعيل دور القانون والمحاكم لردع كل من يمارس هذه العمليات.

حل المشكلة
وسعيا منها لوضع حلول للمشكلة, دأبت المستشفيات مؤخرا على عدم تقديم أي علاج أو إجراء عملية جراحية قبل توقيع تعهد من عائلة المريض يتضمن إقرارا باطلاعهم على طبيعة مرضه والموافقة على إجراء العلاج اللازم وتحمل تبعات ذلك.

صورة من التعهد الذي توقع عليه أسرة المريض قبل بداية علاجه في المستشفيات العراقية (الجزيرة نت)

وقد دفعت هذه الاعتداءات الكثير من الأطباء إلى التعامل بحذر شديد مع الحالات التي تردهم للمراجعة، وقد يصل ذلك إلى رفض الكثير من الحالات الحرجة خوفا من تبعات فشل العلاج.

الدكتور أ . س يعمل طبيب باطنية، وكانت لديه عيادة في مدينة الصدر شرقي بغداد يحكي للجزيرة نت أنه اضطر لإغلاق عيادته بسبب تردي الحالة الصحية لأحد مرضى القلب الذين يعالجهم، حيث تم اتهامه من قبل أسرة المريض بالإهمال في علاجه ومطالبته بدفع مبلغ 25 مليون دينار (أكثر من 20 ألف دولار)، ولما رفض دفع المبلغ تم إنذاره بإغلاق عيادته وإلا سيعرض حياته للخطر، وقد اضطر إلى إغلاق العيادة والانتقال إلى منطقة أخرى في بغداد أكثر أمنا.

ويروي أ . س قصص الكثير من زملائه الأطباء الذين اضطرتهم هذه الممارسات إما إلى نقل عياداتهم إلى وسط بغداد أو إلى السفر خارج البلاد، ويضيف متحسرا أن الكثير من هؤلاء يحملون شهادات عالية ومن جامعات أوروبية خسرهم العراق بسبب أوضاعه الأمنية الاستثنائية، والتي يبدو أنها ستطول، حسب قوله.

المصدر : الجزيرة