من جديد تعود فرنسة التعليم لواجهة الأحداث في المغرب في ظل تشديد فريق من التربويين على ضرورة تدارك "أخطاء التعريب"، في حين يربط فريق آخر هذا التوجه بالاستلاب والركون لأجندات فرانكفونية تريد العبث بمحددات الهوية ونصوص الدستور.

الحسن أبو يحيى-الرباط

لقيت مذكرة أصدرها وزير التعليم المغربي تدعو إلى تدريس مواد علمية باللغة الفرنسية رفضا واسعا، إذ يراها منتقدوه انقلابا تربويا ودستوريا وتنفيذا لأجندات خفية.

لكن آخرين نظروا لها بإيجابية، ورأوا فيها استدراكا لخطأ ارتكبه المغرب منذ ثلاثين سنة عندما قرر تعريب تدريس العلوم.

وبموجب مذكرة الوزير رشيد بن المختار سيتم تدريس مادتي الرياضيات والعلوم الفيزيائية باللغة الفرنسية بدل العربية ببعض التخصصات العلمية في الثانويات.

وتبرّر المذكرة قرار الوزير بكونه "تصحيحا للاختلالات التي تعرفها المنظومة التعليمية، خاصة المتعلقة بتكامل المواد التعليمية في السلك الثانوي".

لكن رئيس الائتلاف الوطني من أجل اللغة العربية فؤاد بوعلي رأى أن المذكرة انقلاب على الدستور وعلى نتائج النقاش التربوي الجاري.

وقال بوعلي للجزيرة نت إن الوزير يسابق الزمن لفرنسة التعليم المغربي، وعلى من يريد أن يعرف خلفيات إصدار المذكرة أن يبحث خارج المدرسة، وتحديدا في الأجندات الخفية التي تريد فرض الفرنسية، ومواجهة الحزب الذي يقود الحكومة الحالية، على حد زعمه.

ورأى بوعلي أن المذكرة تلبي رغبة أقلية فرانكفونية، وأنها تُواجَه برفض شعبي.

وزير التعليم المغربي أصدر مذكرة بفرنسة تدريس مادتي الرياضيات والعلوم الفيزيائية (الجزيرة نت)

أجندات وإشكاليات
وبخصوص المبرّرات التي ساقتها الوزارة لتحقيق التكامل، قال بوعلي إن هذا مردود عليه لأن المذكرة لا تستند إلى رؤية علمية للغة التدريس، "ونعلمُ أن دول العالم المتحضر تدرس بلغاتها الوطنية، وعملية التعريب في المغرب لم تُستكمل".

وزاد بوعلي أن "الأمر يتعلق بهروب نحو الأمام، وهذا الوزير لا يعترف بالحكومة، ولا بغيرها من المؤسسات الدستورية، بل له أجندته المُملاة عليه، والتي جاء لتنفيذها".

من جانبها، قالت عضوة المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي آمنة ماء العينين إن المذكرة تلامس واحدة من أعقد الإشكاليات، وهي لغة التدريس.

وأضافت في حديث للجزيرة نت أن "البعض يدّعي فشل العربية في أن تكون لغة لتدريس العلوم، لكن الجميع يعلم أن عشرين دولة مصنفة في المرتبة الأولى من حيث جودة تدريس العلوم كلها تدرسها بلغاتها الوطنية".

وضمن السياق ذاته، قالت ماء العينين إن المذكرة تنم عن ارتباك وفشل في التخطيط، لأن المشكلة لا تتعلق بتعريب العلوم، وإنما بغياب الإرادة في إنجاح التعريب، "والدليل على أن الإشكال لا يكمن في العربية هو تفوق الطلاب المغاربة في أولمبياد الرياضيات على المستوى العالمي".

وأضافت أن "قرار الوزير يتعارض مع توصيات المجلس الأعلى للتربية والتكوين الذي أكّد أن العربية هي لغة التدريس الأساس مع إمكانية الانفتاح على الفرنسية والإنجليزية لتدريس بعض المجزوءات والمضامين".

النخب الفرانكفونية بالمغرب تتهم بالعمل على تعزيز حضور الفرنسية بالمجال التربوي (الجزيرة نت)

استدراك الإرباك
أما الكاتب والناشط الحقوقي أحمد عصيد فقال إن المذكرة استدراك لخطأ ارتكبه المغرب منذ ثلاثين سنة عندما قرّر تعريب تدريس العلوم.

ورأى في حديث للجزيرة نت أن قرار التعريب أربك الطلاب الذين يختارون الشعب العلمية في المرحلة الثانوية فيفاجؤون بأن تدريس العلوم في الجامعة ظل بالفرنسية، ولذلك "فإن العودة إلى الفرنسية أمر حتمي لا ريب فيه".

ورأى أن الدولة أخطأت عندما ملأت المجلس الأعلى للتربية بالمحافظين والقوميين العرب الذين لا يمكنهم التفكير خارج أيديولوجيا التعريب "المفلسة"، حسب تعبيره.

وقال عصيد إن هناك توجهين متناقضين: توجه الدولة والدوائر العليا التي تريد العودة إلى الفرنسية بعد أن أدركت بوضوح أن التعريب طريق مسدود، ثم توجه المجلس المذكور الذي أصبح محفلا للكلام دون أن تتمخض عنه نتائج لصالح تطور البلد، حسب تعبيره

وتشير وثيقة أصدرها المجلس الأعلى للتربية والتكوين بعنوان "رؤية إستراتيجية للإصلاح 2015-2030" إلى أن من الأهداف جعل الطالب عند نهاية التعليم الثانوي متمكنا من اللغة العربية، وقادرا على التواصل باللغة الأمازيغية، ومتقنا للغتين أجنبيتين، مع اعتبار العربية لغة التدريس الأساس.

المصدر : الجزيرة