رغم الدمار وآثار الاقتحام بإمكان الجنود المنسحبين والزوار المغادرين قراءة عبارات خطها شبان مخيم قلنديا على جدرانه، منها "الرد قادم، والانتقام للشهداء"، ومطالعة صور كثيرة لشبان استشهدوا في اقتحامات إسرائيلية عديدة مؤخرا.

ميرفت صادق-مخيم قلنديا

في ساحة السوق وسط مخيم قلنديا شمال القدس أربعة أطفال في حدود العشر سنوات أغلقت مدرستهم أبوابها حدادا، وقفوا يلخصون ليلة دامية مرت عليهم، قالوا في حوار متشابك "دخلوا من كل الجهات.. قتلوا اثنين، والثالث مش معروف مصيره".. وأكمل الأطفال كنس الطريق في انتظار مرور الجنازة الكبيرة.
 
بدا الحدث عظيما هذه المرة من نبرات أصوات الأطفال، ومن أثر الآليات العسكرية في أزقة المخيم وبقايا الطلقات في جدران كثيرة، ولمشهد الدمار في الحي الشرقي حيث فجر الاحتلال منزل الأسير محمد أبو شاهين، وتصدعت معه كل البيوت المجاورة.
 
يتنقل الأطفال من وسط المخيم الذي يقطنه نحو 12 ألف لاجئ لعائلات فلسطينية هجرت في نكبة 1948 شرقا إلى حارة السوق، حيث منزل أول الشهداء الذين ارتقوا الليلة أحمد أبو العيش (28 عاما) أو "أبو صبا" كما يناديه الناس.
 
قالت ابنة عمه رائدة وصوت أنين زوجته وشقيقاته يعلو المكان "هنا عند باب المنزل أصابوه برصاصة في قدمه فأسرعت شقيقته نوال للاطمئنان عليه، لكنه كان قد انسحب مع اقتحام مفاجئ لقوة خاصة".
 
تتابع رائدة "انقضوا على المنزل وأغلقوا على شقيقته الباب ومنعوها من مساعدته"، وفي الأثناء كان كمين آخر ينصب له وسط المخيم، وأطلق جنود الاحتلال عليه أكثر من خمس رصاصات أصابت رأسه وصدره وبطنه ومنعت وصول الإسعاف إليه حتى استشهد.

أطفال في مخيم قلنديا للاجئين عقب ليلة دامية شملت عمليات قتل وتفجير منزل (الجزيرة نت)

كان الشهيد أبو العيش -وهو والد لثلاث طفلات- معروفا كناشط مجتمعي ووطني، ومتطوع في تنظيم خط السير على مدخل المخيم وينتمي لعائلة هجرت عام 1948 من قرية ساريس المدمرة، وسبق اعتقاله ثلاث مرات في سجون الاحتلال.
 
وصعودا إلى "الحارات الفوقا" (العليا) حيث بيت الشهيد التالي ليث مناصرة (22 عاما) كان والده أسعد مناصرة يقف ليسند حزنه إلى جدار قريب من مكان استشهاد بكره.
 
قال مناصرة وهو يشير إلى سطح بيته: هناك استشهد ليث، أطلق عليه النار قناصة إسرائيليون من بناية مقابلة وأصابوه في صدره..".
 
وحاول الأب مع عدد قليل من جيرانه نقل ابنه المصاب عبر طرقات فرعية لإيصاله إلى سيارة الإسعاف، لكن جنود الاحتلال أوقفوهم وتركوه ينزف لأكثر من ساعة على الأرض حتى وصل المجمع الطبي مستشهدا.
 
نزوح ودمار
وفي حارة "الشواعنة" المجاورة -حيث مسرح العملية الأبرز- كانت عائشة أبو شاهين والدة الأسير محمد أبو شاهين تقف "ويداها على قلبها" كما قالت بعد تدمير منزله.
 
وكانت أم محمد تحضر نفسها مع زوجته وطفلتيه جود وشام لزيارته في سجن بئر السبع العسكري، لكن تدمير منزل العائلة عطل كل شيء.

مشهد الدمار الذي حل بمنزل عائلة أبو شاهين والمنازل المجاورة (الجزيرة نت)

قالت أبو شاهين "منزل محمد ومنزلي ومنزل جدته دمرت تماما، وكأن الحي بأكمله تعرض للقصف".
 
أخطرت عائلة أبو شاهين بقرار إسرائيلي يقضي بهدم منزلها عقوبة لها بعد اتهام ابنها بإطلاق النار على مستوطن غرب رام الله في يونيو/حزيران الماضي وقتله وهو يواجه -كما تقول والدته- "حكما غير محدود السنين".
 
واستطاعت العائلة نقل بعض أثاثها إلى الطابق السفلي، لكن الدمار أتى على ثلاثة طوابق ودمر شبكتي الكهرباء والماء.
 
مقاومة باسلة
يقول الشاب محمد مطير خلال تحضيرات جنازة الشهيدين "لم يكن هذا الاقتحام الأول لمخيم قلنديا ولن يكون الأخير، لكن بسالة المقاومين في التصدي لجيش الاحتلال جعلته يستخدم كل هذه القوة".
 
ويروي مطير مشاهدات شهود عيان من المخيم عن إصابة شاب واختطافه من وحدات خاصة إلى نقطة انسحاب تدعى "كرم اللوز" شرق المخيم حيث جرى اعتقاله دون معرفة مصيره.
 
قال مطير إن أكثر من ألف جندي شاركوا في اجتياح المخيم، ولأول مرة تستخدم وحدة اليمام الخاصة بالإضافة إلى المستعربين والقناصة مع غطاء من الطيران المروحي، وكانوا يطلقون النار على كل ما يتحرك.
 
رغم الدمار وآثار الاقتحام بإمكان الجنود المنسحبين والزوار المغادرين قراءة عبارات خطها شبان المخيم على جدرانه، منها "الرد قادم، والانتقام للشهداء"، ومطالعة صور كثيرة لشبان استشهدوا في اقتحامات إسرائيلية عديدة مؤخرا.

المصدر : الجزيرة