يبدو أن تداعيات هجمات باريس لن تقف عند الآثار الاجتماعية ومخاطر تنامي الكراهية بين أفراد المجتمع، والآثار الاقتصادية عبر الشلل الذي أصاب السياحة والنشاط التجاري ولو مؤقتا، بل إن الأمر سيتعدى ذلك إلى إحداث هزة في قيم الجمهورية الفرنسية.

حسن صغير

يبدو أن تداعيات هجمات باريس لن تقف عند الآثار الاجتماعية ومخاطر تنامي الكراهية بين أفراد المجتمع الواحد، والآثار الاقتصادية عبر الشلل الذي أصاب السياحة والنشاط التجاري ولو مؤقتا، بل إن الأمر سيتعدى ذلك إلى إحداث هزة في قيم الجمهورية الفرنسية المبنية على الثلاثية الشهيرة: حرية، وإخاء، وعدالة.

فقد طالب الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند في خطابه أمام البرلمان الفرنسي المنعقد بشكل استثنائي بغرفتيه في قصر فرساي بتغيير بعض بنود الدستور الفرنسي لإعطاء المزيد من الصلاحيات للسلطات للتعامل مع ظاهرة الإرهاب، وبتغيير بعض القوانين التي تعرقل التعاطي بفعالية مع هذه الظاهرة، في ظل الحصيلة الثقيلة لهجمات باريس التي أودت بحياة 129 شخصا، إضافة إلى مئات المصابين، والتي تبناها تنظيم الدولة الإسلامية.

كما قال هولاند إنه سيرفع الأربعاء مشروع قانون إلى البرلمان من أجل "تمديد حالة الطوارئ ثلاثة أشهر"، داعيا البرلمانيين إلى إقرار المشروع بحلول نهاية الأسبوع للسماح للسلطات العامة "بالتحرك ضد الإرهاب الحربي"، كما أعلن عن 8500 وظيفة جديدة في سلكي الأمن والقضاء والسجون.

واقترح هولاند أن يتم تعديل الدستور الفرنسي، مؤكدا أن المادتين 16 و36 منه لا تلائمان الوضعية الحالية والاستثنائية التي تعيشها فرنسا، وذلك من خلال وضع آليات استثنائية لبعض الفترات التي تسود فيها حالة الطوارئ، مع عدم المس بممارسة الحريات العامة، حسب قوله.

وتتعلق المادة 16 من الدستور الفرنسي بضبط آلية اتخاذ القرار بين رئيس الجمهورية والهيئات الدستورية في حالات الحرب والخطر الداهم، بينما تضبط المادة 36 شروط إعلان الأحكام العرفية أو حالة الطوارئ ومدتها القانونية وأليات تمديدها، وتنص على أنه "يكون فرض الأحكام العرفية بأمر من مجلس الوزراء، ولا يجوز تمديدها أكثر من 12 يوما إلا بإذن من البرلمان".

ساركوزي بنى حملته الانتخابية في 2007 على إجراء تعديلات دستورية (رويترز)


سحب الجنسية
ولعل من أكثر التعديلات القانونية المطلوبة إثارة للجدل رغبة هولاند في أن يتيح القانون الفرنسي بعد تعديله سحب الجنسية من المدانين بالتورط في أعمال إرهابية من مزدوجي الجنسية، حتى لو كانوا مولودين على الأراضي الفرنسية، وكذلك إمكانية منعهم من دخول فرنسا إذا كانوا يشكلون "خطرا إرهابيا".

ويأتي الحديث عن التعديل الدستوري في وقت تدرج فيه فرنسا أكثر من عشرة آلاف شخص على سجلات أجهزة الأمن، بينما تعمل المديرية العامة الفرنسية للأمن الداخلي يوميا على مراجعة سجل "أمن الدولة" المعروف بالسجل "إس"، الذي يضم جميع "العناصر المشاغبة" من اليسار واليمين على حد السواء.

ويرى مراقبون أن مطالب هولاند التي تحتاج إلى مصادقة البرلمان لدخولها حيز التنفيذ ستثير جدلا واسعا على الساحتين السياسية والحقوقية، وقد تشكل محور الحملات الانتخابية للرئاسيات الفرنسية القادمة والمقررة لعام 2017، والتي يسعى اليمين الفرنسي للعودة إثرها للإيليزيه.

في المقابل، يرجح آخرون أن تلقى حزمة التعديلات الدستورية والقانونية التي اقترحها هولاند قبولا لدى الجمعية العامة الفرنسية والهيئات الدستورية، خاصة أن عددا من الساسة الفرنسيين طالبوا بضرورة إجراء تغييرات دستورية تتماشى مع السياق الإستراتيجي الجديد الذي فرضته المستجدات على الساحة الدولية.

وقال محمد هنيد أستاذ العلاقات الدولية بجامعة السوربون للجزيرة إن هناك شبه اتفاق على الساحة الفرنسية على ضرورة مراجعة السياسات والقوانين والمقاربات الأمنية لظاهرة الإرهاب، خاصة بعد تهاوي التدابير الأمنية والقانونية أمام الظاهرة وفشلها في منع وقوع الكارثة.

وأضاف أن التعديلات القانونية قد تشمل الوضعية القانونية للمتتبعين من قبل الأمن الفرنسي، وكذلك قانون المساجد والتعامل مع المشتبه بهم في القضايا المتعلقة بالإرهاب، والتنسيق الأمني مع الجوار الأوروبي، ومراقبة القادمين من مناطق النزاع أو الذاهبين إليها، وكذلك قانون حمل الأسلحة، كما استبعد أن تمس التغييرات الدستورية والقانونية المطلوبة المبادئ الأساسية للجمهورية الفرنسية، وهي الحريات الفردية وقانون الجنسية وقانون الإقامة.

يذكر أن الدستور الفرنسي الصادر في 1958 تم تعديله في أكتوبر/تشرين الأول 2007 بناء على تقرير لجنة ترأسها السياسي المخضرم إدوارد بالادور، وكلفها الرئيس السابق فرانسوا ساركوزي بإعادة التوازن للعلاقة بين مؤسسات الجمهورية، وأوصت اللجنة بإجراء 77 إصلاحا رئيسيا أو إضافة 41 مادة جديدة.

المصدر : الجزيرة