عقبة الأحمد

تسارعت وتيرة التحركات الروسية العسكرية والدبلوماسية في سوريا منذ الشهر الماضي ووصلت لحد "استدعاء" رئيس النظام السوري بشار الأسد إلى موسكو، في مؤشر يعكس مدى تنامي النفوذ الروسي في دمشق في ظل انكفاء واضح من الدول الغربية والدول الداعمة للمعارضة دفعتها لتقديم تنازلات بقبول مشاركة الأسد في فترة انتقالية تفضي إلى رحيله في نهاية المطاف.
 
وقد جاء الكشف عن خطة روسية للسلام في سوريا قبل أيام من اجتماع دولي ثان في فيينا لبحث خارطة طريق لإنهاء النزاع السوري، في تعزيز للدور الروسي رغم ردود الفعل المتحفظة لدول غربية على المقترح ورفضه من قبل الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية الذي اعتبر أن الخطة الروسية تهدف لإنقاذ نظام الأسد وتهميش المعارضة.

وتتكون الخطة الروسية -وهي أول مبادرة سياسية لموسكو منذ اندلاع الثورة السورية منتصف مارس/آذار 2011- من ثماني نقاط، أهمها اتفاق الحكومة والمعارضة السورية على بدء عملية إصلاح دستوري تستغرق 18 شهرا تعقبها انتخابات رئاسية مبكرة لا تستبعد مشاركة الأسد فيها وهو ما يشكل عقدة أساسية في أي تفاوض حول حل سياسي.

وبرزت روسيا إلى جانب إيران أكبر الداعمين لنظام الأسد سياسيا وعسكريا وماديا منذ قمعه احتجاجات شعبية وتحولها إلى نزاع مسلح راح ضحيته أكثر من ربع مليون شخص، وشرد نصف السكان -البالغ عددهم نحو 23 مليون نسمة- بين نازحين داخل البلاد ولاجئين في دول الجوار.

وتحتفظ روسيا بقاعدة بحرية في ميناء طرطوس على البحر الأبيض المتوسط عززتها مؤخرا بقاعدة جوية في ميناء حميميم باللاذقية تنطلق منها المقاتلات الروسية لتنفيذ غاراتها على المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية وتنظيم الدولة الإسلامية.

ومنذ اندلاع الأزمة السورية استخدمت موسكو حق النقض (الفيتو) أربع مرات في مجلس الأمن لمنع صدور أي قرار يتضمن عقوبات أو إدانة للنظام السوري على "الجرائم والمجازر" التي تتهمه المعارضة بارتكابها خلال محاولة قمع الثورة.

اجتماع فيينا بشأن سوريا في أكتوبر/تشرين الأول الماضي شاركت فيه روسيا وإيران (أسوشيتد برس)

تخويف الغرب
ونجحت روسيا في "تخويف" الغرب من أن البديل عن نظام الأسد سيكون "الجماعات الإرهابية" فبات قتال تلك الجماعات كتنظيم الدولة وجبهة النصرة مقدما على المعارك مع قوات النظام السوري.

وكان من أهم إنجازات موسكو دعما للنظام السوري اتفاق أبرمته مع الولايات المتحدة في سبتمبر/أيلول 2013 وأقره مجلس الأمن بتدمير الترسانة الكيميائية السورية وتمكنت روسيا من خلاله من محو الخطوط الحمراء لإدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وبالتالي تجنيب دمشق ضربة أميركية كانت قاب قوسين أو أدنى بعد ارتكابها مجزرة رهيبة بأسلحة كيميائية راح ضحيتها -وفق منظمات حقوقية- 1400 شخص في غوطة دمشق الشرقية.

ولم تقتصر المحاولات الروسية في التأثير على مجرى الأحداث بسوريا عند هذا الحد، فقد سبق أن شاركت موسكو في وضع أسس اتفاق جنيف1 في يونيو/حزيران 2012 والذي يدعو إلى تشكيل هيئة حكم انتقالية تمارس جميع السلطات التنفيذية في سوريا ويمكن أن تضم أعضاء من الحكومة الحالية والمعارضة ومن المجموعات الأخرى تشكل على أساس الموافقة المتبادلة، غير أن اتفاق جنيف1 لم يشر صراحة إلى تنحي الأسد.

كما شاركت روسيا إلى جانب أميركا والأمم المتحدة عام 2013 في اجتماعات تحضيرية لما عرف لاحقا بمؤتمر جنيف2 بين وفدي المعارضة السورية والنظام، وانتهت تلك المفاوضات التي عقدت في يناير/كانون الثاني، وفبراير/شباط 2014 إلى الفشل.

وعادت موسكو لتفرض نفسها من جديد في الملف السوري مع نهاية عام 2014 انتهت باستضافة لقاءات بين شخصيات سورية معارضة يعترف بها النظام السوري ووفد من النظام السوري في يناير/كانون الثاني، وأبريل/نيسان العام الحالي دون أن تتمخض أي نتائج بعد مقاطعة الائتلاف السوري للاجتماعات.

صورة نشرتها وزارة الدفاع الروسية لإحدى طائراتها المقاتلة تقصف في سوريا (رويترز)

منعطف مؤثر
وشكل التدخل الروسي العسكري المباشر في سوريا إلى جانب نظام الأسد في نهاية سبتمبر/أيلول الماضي منعطفا جديدا يرسم من خلاله الكرملين مجريات الأمور بسوريا.

ورأى مراقبون أن موسكو بتحركها العسكري تدفع نحو حل سلمي تحافظ فيه على مصالحها باعتبار أن الحل السلمي لأي أزمة يسبقه تصعيد عسكري لتعزيز مواقف الأطراف المتصارعة.

وعزز هذا التوجه ما وصف باستدعاء الرئيس السوري فلاديمير بوتين للأسد إلى الكرملين منفردا دون وفد مرافق في 20 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وما تبع ذلك من مشاركة روسيا باجتماع فيينا الأول الشهر الماضي لحل الأزمة السورية.

بيد أن التحركات الروسية الأخيرة للحل في سوريا مرهونة بمدى تجاوب الأطراف الدولية والإقليمية وقبلها قبول المعارضة السورية، والتي لن يكون لها معنى من غير موافقة هذه الأطراف.

وسيعتمد نجاح موسكو في مساعيها لفرض نفسها كلاعب أساسي في سوريا والمنطقة على مدى ما تبديه من مرونة في تمرير خطتها الجديدة والرؤية التي تتضمنها، ولا سيما التخلي عن الأسد بعد أن بات الإصرار على وجوده سببا مباشرا في فشل محاولات سابقة بذلتها موسكو وطهران.

وكما يبدو من تصريحات روسية عديدة فإن موسكو لن تظل متمسكة بالأسد، لكنها قد تكون مصرة على المحافظة على ما تبقى من نظامه وأجهزته الأمنية والعسكرية وما يضمن مصالحها في المنطقة، وهو أمر يبقي جهود موسكو عاجزة عن اختراق العقدة السورية بعد أن سادت القناعة المعارضين في سوريا أن رحيله لن يكون ذا معنى دون رحيل جهازيه الأمني والسياسي. 

المصدر : الجزيرة