بقدر الآمال التي تعقدها القوات العراقية على استعادة الرمادي من تنظيم الدولة بقدر المحاذير والمخاوف التي تنتابهم من إمكانية تحقيق حلم ينتظر اختبارا ميدانيا على الأرض يحمل في طياته مخاطر تتعلق بتلك القوات والمدنيين بالمدينة.

بعد مرور نحو ستة أشهر على سقوط الرمادي عاصمة محافظة الأنبار العراقية بأيدي تنظيم الدولة الإسلامية تراهن القوات العراقية على قرب استعادتها، وترى أنها في وضع أفضل للقيام بذلك وأن جهودها لقطع خطوط الإمداد للمدينة بدأت تؤتي ثمارها، لكن هذا لا ينفي وجود مخاوف لدى تلك القوات، ومخاطر أخرى تنتظر من بقي من المدنيين هناك.

وتعقد القوات العراقية آمالا كبيرة على استعادة الرمادي الواقعة على بعد ستين كيلو مترا غرب العاصمة بغداد وتأمل في دفعة معنوية كبيرة بعد أن انهار معظمها في وجه تقدم تنظيم الدولة الذي سيطر العام الماضي على ثلث أراضي العراق، والذي شكلت سيطرته على الرمادي أكبر هزيمة تمنى بها الحكومة المركزية خلال نحو عام، وضعف الأمل في إخراج عناصر التنظيم من شمال وغرب البلاد. ويبقى الهدف النهائي للقوات العراقية هو إنهاء سيطرة التنظيم على الموصل معقله الرئيسي وأكبر مدينة بالشمال. 

قيادة عمليات الأنبار شهدت تعيين ثلاثة قادة في أقل من عام (أسوشيتد برس)

وأرجع ضباط بالشرطة والجيش العراقيين -يشاركون بالمعركة- تعثر حملتهم لاستعادة الرمادي إلى الاستخدام المكثف للعبوات الناسفة بدائية الصنع، ونقص القوات والعتاد نتيجة العجز النقدي الذي تعانيه الحكومة و"قواعد الاشتباك الصارمة المفروضة على الضربات الجوية بقيادة الولايات المتحدة".

لكن هذا لا ينفي أن قوات الأمن العراقية تعاني ضغطا نتيجة القتال على عدة جبهات، وقد أضعفها الفساد واقترابها من الانهيار مرتين في العام الأخير في مواجهة التنظيم، ولا يزال الكثير من أفضل قوات الجيش تسليحا حول بغداد لحماية مقر الحكم.

وفي أقل من عام، شهدت قيادة عمليات الأنبار تعيين ثلاثة من القادة، كما قتل اثنان من كبارهم في المعارك، وقال ضباط إن التغيير المتكرر للقيادة أضعف الروح المعنوية، علاوة على ذلك فإن ضعف خطوط الإمداد يؤدي في كثير من الأحيان إلى معاناة القوات الموجودة على خط الجبهة من نقص الوقود والذخيرة والرعاية الطبية. وقال مايكل نايتس خبير الشؤون العراقية بمعهد واشنطن للأبحاث "الجيش العراقي يعاني من كل مشكلة يمكن أن يواجهها جيش".

قوات مكافحة "الإرهاب" العراقية تتلقى تدريبا أميركيا مكثفا (أسوشيتد برس)

ويبلغ عدد أفراد القوات الحكومية حول الرمادي عشرة آلاف فرد، وهم يفوقون عناصر تنظيم الدولة الإسلامية هناك بواقع عشرة إلى واحد على الأقل لكن كفاءتهم ودرجة استعدادهم متفاوتة، وقادت قوات مكافحة "الإرهاب" العراقية التي تلقت تدريبا أميركيا الحملة لمحاصرة المدينة. ونجحت بدعم من الفرق المدرعة بالشرطة الاتحادية في قطع الطرق الجنوبية والغربية لمنع وصول التعزيزات من مدن قرب الحدود السورية، وأوضح ضباط عراقيون أن القوات سيطرت على بلدات وقرى وطرق في تلك المناطق منها جامعة الأنبار، ومناطق صحراوية مترامية على الطريق السريع إلى سوريا.

وفي وقت سابق من الشهر الحالي، سيطرت قوات مكافحة "الإرهاب" على معسكر كبير للجيش على المشارف الغربية للرمادي وعدد من المناطق إلى الشمال حتى المدخل الغربي لجسر فلسطين على نهر الفرات. وعلى الجانب الآخر من النهر الذي يجري من الشمال إلى الجنوب عبر الرمادي، تتقدم فرقتان من الجيش ببطء على طريق سريع شمالي. وفي الأسبوع الماضي وصلتا إلى جسر الجرايشي على بعد أقل من كيلومترين من النهر.

وقال ستيف وارن المتحدث باسم التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ويقصف أهدافا في سوريا والعراق منذ أكثر من عام "إن المتشددين يستخدمون نهر الفرات كطريق مائي سريع لإعادة تزويد وسط الرمادي بالإمدادات وبالسيطرة على الطريق السريع المؤدي إلى الجسر.. سيكتمل الطوق المحيط بالرمادي وتتمكن القوات من بدء تطهير المدينة الحي تلو الآخر".

 القوات العراقية ترى أن حصار الرمادي سيشجعها على خوض حرب شوارع هناك (أسوشيتد برس)

وليس واضحا كم من الوقت ستستغرق الفرقتان العسكريتان للقيام بالدفعة الأخيرة للوصول إلى جسر فلسطين. وتواجه القوات العقبات نفسها التي أبطأت حصار المدينة على المحاور الأخرى وستعقد القتال في الشوارع مستقبلا، ويقول ضباط بالجيش في الأنبار إن بطء الحملة "يرجع إلى المتفجرات التي زرعها متشددون على نطاق واسع، ونقص القوات".
 
ولم تمنع المكاسب -التي تحققت في الآونة الأخيرة- القوات العراقية من مراعاة الحذر، وهو ما يثير تساؤلات عن وتيرة أي عملية كبرى. وقال ضباط بالجيش "إن القادة يشعرون بالقلق من وقوع خسائر بشرية في صفوف قوة مستنزفة بالفعل، فيتجنبون المواجهة مع عدو دأب على تعذيب وإعدام من يأسرهم". وقال عقيد بالفرقة التاسعة بالجيش التي تقاتل إلى الشمال من الرمادي "يجب علينا أن نشن هجوما ونراقب ظهورنا في نفس الوقت.. هذا حمل ثقيل يقع على عاتق جنودنا".
 
ورغم أن قسما كبيرا سكان المدينة والبالغ عددهم 450 ألف نسمة فروا منها قبل شهور فإن الآلاف مازالوا يعيشون هناك. وذكر بعض من تحدثوا إلى "رويترز" عبر الإنترنت أن الحملة "أبعدت متشددي الدولة الإسلامية عن الأسواق والميادين العامة التي كانوا يتجولون فيها ذات يوم. والحصص الغذائية والمساعدات التي يقدمها التنظيم للمدنيين تضاءلت" وبينما فرضت القوات الحكومية الطوق الأمني، احتمى سكان المناطق الموجودة على مشارف المدينة بالمنازل المهجورة وسطها، وحاول آخرون الفرار لكن في ظل ضعف الاتصالات وتوفر معلومات محدودة عن الهجوم واجه كثيرون صعوبات للبحث عن مخرج.

المصدر : رويترز