تحمل القوارب كل شيء، تحمل الموت والبكاء والخوف والذكريات الأليمة، تتحول الوجوه في كلمات الجندي إلى قوارب، والقلوب إلى قوارب مبللة متهالكة أعياها موج البحر المالح، وأثقلتها حمولة المئات من اللاجئين.

 

إيمان مهذب

"رأيت أطفالا بعمر عشرة أيام يرتجفون من البرد.. ثيابهم مبللة بماء البحر الذي يغمر مراكب الهجرة.. رأيت أمهات يبكين.. رأيت رجالا ينهارون وهم يصرخون: نريد أولادنا.. رأيت الحزن"، بهذه الكلمات ينقل غياث الجندي المتطوع لإنقاذ اللاجئين على سواحل جزيرة ليسبوس اليونانية بعضا من مأساة الفارين من الحروب.   

عبر الصور والكلمات ومقاطع الفيديو يوثق غياث الجندي -سوري الأصل يحمل الجنسية البريطانية- على صفحته بموقع فيسبوك جزءا من يومياته مع فريق من المتطوعين الأوروبيين في الجزيرة التي تستقبل كل يوم آلاف الهاربين من "الجحيم".

توحي تدوينات الجندي بحجم الوجع والحزن، تمتزج فيها مشاعر الخوف والترقب والحيرة بمشاعر الفرح والاطمئنان والشكر بعد النجاة من الموت في عرض البحر.

"قبل قليل وصل قارب مكتظ بالسوريين والسوريات، كان هناك مزيج من البكاء والصراخ والتصفيق والخوف.. قال لي رجل حلبي في الستينيات من عمره: "هل نحن بأمان؟" قلت له أنت الآن بأمان (..) أمسكت يد الرجل السوري فبكى مرة أخرى، قال لي "رجل بعمري فرض عليه أن ينهي حياته لاجئا".

قصص وحكايات
تبدو الأسطر التي يكتبها الجندي وكأنها قصص قصيرة، كل منها يرسم ملامح رحلة صعبة للنجاة من موت اختلفت أسبابه.. هربا من القصف والبراميل والرصاص، هربا من حياة باتت مستحيلة في ظل انعدام الأمن.. تصل المراكب محملة بآلاف الأشخاص وآلاف الحكايات.

"بدأت قوارب الليل بالقدوم.. أقدام الأطفال السوريين تصل مغلفة بالبرد"، "الطفلة التي ماتت البارحة بالمركب عمرها ثمانية أشهر.. غمرتها المياه وكان المركب مكتظا، لم تستطع أمها رؤيتها تغرق لأن المكان ضيق، الأم في حالة انهيار والأب في حالة انكسار.. الوجع".. "الطفل الذي ولد على شاطئ بحر ليسبوس ولد بعد خروج أمه من المركب بدقائق، لم يكن هنالك طبيب، زميلتنا الدانماركية ولدتها".

يطلب الجندي من البحر "أن يكون لطيفا" مع اللاجئين، فهم رأوا من الأهوال الكثير، ولم يجدوا سوى "قوارب الموت" ليكونوا على قيد الحياة.

الجندي يلاعب طفلة صغيرة بعد وصولها جزيرة ليسبوس (مواقع التواصل الاجتماعي)

قوارب الموت
تحمل القوارب كل شيء، تحمل الموت والبكاء والخوف والذكريات الأليمة، تتحول الوجوه في كلمات الجندي إلى قوارب، والقلوب إلى قوارب مبللة متهالكة أعياها موج البحر المالح، وأثقلتها حمولة المئات من اللاجئين.

"رأيت زينة تخرج من المركب وفي قلبها فكرة واحدة أن المركب له وجه الغريق، كانت تريد الدفء حتى من الغريب المبلل بالحكايات التي يراها وبدموع الناجين والناجيات من فكرة النزوح البحري". "طفلة صغيرة تصرخ: لا أريد البحر، وصبي صغير يبكي على والده الذي تأخر على المركب.. قارب الموت.. الساعة الآن الثالثة بعد منتصف الألم!".

وعلى شواطئ "البحر البرتقالي" -كما يصفه الجندي لكثرة سترات النجاة البرتقالية- يترك اللاجئون ستراتهم وأحذيتهم المبللة، لكن مشاعر الخوف تظل تلاحقهم.

شواطئ ليسبوس تغمرها سترات النجاة البرتقالية (مواقع التواصل الاجتماعي)

خوف وانتظار
"كانت تالة في المركب القادم، وصلت خائفة من البحر وحين حملتها إلى الشاطئ المليء بآلاف سترات النجاة البرتقالية لم تلتفت ورائها، كانت خائفة من رجل شرطة تركي، كانت تظن أنه لا يزال  يلاحقها، رأته يضرب إحدى ضحايا المهربين وضحايا الألم أيضا".

في مخيمات الانتظار تبدأ حياة أخرى، حياة لم تفارقها القساوة بعد، فكل شيء يبدو غريبا في مخيمات اللجوء اليوناني: "الليل الشديد الغرابة (..) أصوات الصراصير تجرح الليل بالخارج، وضجيج أقدام اللاجئين واللاجئات المبللة القادمة من الأمكنة الدامية إلى مخيمات البرد وأرصفة الانتظار اليوناني"، "في الخارج على الطريق عائلات وأطفال ونساء ورجال ينامون على الطريق، وزعنا عليهم الأغطية الخفيفة ونام البرد معهم".

اعتذار وحزن
يعتذر المتطوع السوري عن الكلمات والقصص الحزينة ويقول "المعذرة على البوستات الحزينة.. لم ولن يكون هنا القصد، المجد الشخصي، إنما أردت فقط أن أعبر عما رأيت، نحن مجموعة كبيرة من المتطوعين أغلبهم متطوعات، لا يوجد أي دعم حكومي والأغلب أتى على حسابه الشخصي".

لا تكفي كلمات الجندي لتنقل كل القصص والمشاعر ولا تكفي الصور التي يلتقطها من وقت لآخر في نقل ما يحدث على الجزيرة اليونانية، هي فقط أشبه بقطرة من بحر.

كلمات فتحت نافذة على ما يحدث في تلك الجزيرة ونقلت بعضا من قصة "القلوب الباحثة عن الأمل".. "أفتح النافذة.. الصباح المالح والشمس المالحة.. لا أرى تلال الزيتون.. أرى خيوط اللاجئين التي تسير بتعب على الطريق الترابي حاملين حقائبهم المبللة وخيوط الماء تسقط منها لتشق طريقا كسرب النمل..".

المصدر : الجزيرة