يرى الحقوقي نجاد البرعي، المحامي عن بهجت، أن الخطأ ليس في سرعة الإفراج عن موكله وإنما في القبض عليه من الأساس، في حين يعتبر الحقوقي خالد علي أن عملية الإفراج خطوة للتهدئة بعد تصاعد ردود الأفعال الغاضبة داخليا وخارجيا.

أنس زكي

سريعا تم الإفراج عن الصحفي والناشط الحقوقي حسام بهجت من النيابة العسكرية في مصر، في خطوة لقيت ترحيبا لم يخل من تساؤلات عن ملابسات الإفراج السريع بعكس حالات أخرى كثيرة لم تصادف نفس المصير.

ومثُل بهجت (36 عاما) أمام النيابة العسكرية مساء الأحد الماضي للتحقيق معه في بلاغ مقدم من المخابرات الحربية، وفق ما نشر على صفحته على موقع فيسبوك، على خلفية تحقيق صحفي نشره بموقع "مدى مصر" الشهر الماضي بعنوان "تفاصيل المحاكمة العسكرية لضباط بالجيش بتهمة التخطيط لانقلاب".

ووجهت النيابة العسكرية إلى بهجت تهمتي "إذاعة أخبار كاذبة من شأنها إلحاق الضرر بالمصلحة الوطنية، ونشر معلومات تضر بالسلم العام"، وهي تهم أثارت مخاوف من تلقي الصحفي الشاب حكما بالسجن لفترة قد تطول كما حدث مع عدد من الحالات المشابهة لصحفيين ونشطاء وغيرهم.

لكن الحالة سارت في اتجاه مختلف، فبالتوازي مع حملة انتقادات محلية من جانب حقوقيين ونشطاء وإعلاميين، خرجت حملة انتقادات دولية لافتة، حيث قالت منظمة العفو الدولية إن اعتقال بهجت إشارة إلى تصميم السلطات المصرية على "مواصلة حملتها الضارية على الصحافة المستقلة والمجتمع المدني".

واعتبرت منظمة هيومن رايتس ووتش أن "الاستمرار في احتجاز بهجت، أو تحويله إلى المحاكمة سيكون إشارة قاطعة بأن الرئيس عبد الفتاح السيسي وحكومته ليس لديهم نية التراجع عن القمع في مصر".

ثم جاء الموقف الأهم من الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الذي أعرب عن قلقه الشديد إزاء ما وصفها بـ"خطوة ضمن سلسلة من الاعتقالات بحق المدافعين عن حقوق الإنسان وغيرهم".

حسام بهجت سرد قصة اعتقاله (رويترز-أرشيف)

بيان ناري
ولم تتوقف الإثارة عند هذا الحد، فقد ردت الخارجية المصرية ببيان ناري استنكر تصريحات بان ثم تحول إلى تقريع المسؤول الأممي قائلا إنه "كان من الأحرى بحكم المسؤولية الوظيفية للسكرتير العام تحري الدقة والاهتمام بالقضايا العامة المتصلة بانتهاكات جماعية وممنهجة ضد شعوب ما تزال تحرم من حقوقها الأساسية".

لكن مفعول التصريحات النارية هذه لم يستمر إلا ساعات على ما يبدو، حيث فاجأت السلطات المصرية المراقبين في اليوم التالي بالإفراج عن بهجت دون الإدلاء بأي تصريحات رسمية حول سبب التحقيق معه أو أسباب إطلاق سراحه.

الصحفي نفسه تولى سرد قصة ساعات اعتقاله باقتضاب، وقال إنه قاوم محاولات عديدة من الترغيب والترهيب للتنازل عن حقه في استدعاء محام، مضيفا أن التحقيق تركز على التحقيق الصحفي المتعلق بالمحاكمة العسكرية لضباط الجيش الذين اتهموا بالتخطيط لانقلاب على حكم الرئيس الحالي، مضيفا أنه وقع على إقرار كتابي أملاه المحققون عليه وينص على التزامه "بالإجراءات القانونية والأمنية في نشر أي معلومات تتعلق بالقوات المسلحة وبأنني لم أتعرض لأي إيذاء بدني أو معنوي خلال فترة احتجازي بالمخابرات الحربية".

غموض
حتى الساعة لم يعرف أحد هل تم إغلاق الملف فيما يتعلق بالتهم الموجهة إلى الصحفي والحقوقي، وهل تم إسقاط التهم أم لا عن الصحفي الذي عاش لفترة في نيويورك بـ الولايات المتحدة وعمل عضوا بمجلس برنامج الأمم المتحدة الإنمائي العالمي للمجتمع المدني، ثم عاد إلى مصر وأسس "المبادرة المصرية للحقوق الشخصية" كإحدى المنظمات الحقوقية المستقلة في مصر.

وكما عجّت مواقع التواصل الاجتماعي بتعليقات فرحة بالإفراج عن بهجت، فقد ركز آخرون على التساؤل عن سر الإفراج عنه سريعا بينما يقبع آلاف آخرون بينهم عشرات من الصحفيين في السجون بتهم تثور حولها التساؤلات والشكوك.

الحقوقي نجاد البرعي المحامي عن بهجت، قال إن الخطأ ليس في سرعة الإفراج عن موكله وإنما في القبض عليه من الأساس، بينما اعتبر الحقوقي خالد علي أن الإفراج عن بهجت خطوة للتهدئة خصوصا بعد تصاعد ردود الأفعال الغاضبة داخليا وخارجيا.

خالد يونس:
الضغوط التي تتعرض لها السلطة بعد سقوط الطائرة الروسية بالتزامن مع تراجع الاقتصاد والفشل في مواجهة السيول التي تسببت في وفاة وإصابة العشرات، كان لها دور في رضوخ السلطة هذه المرة

ضغوط وحرج
أما الخبير بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية سامح راشد، فاعتبر أن قضية بهجت لا تنفصل عن الوضع الحالي في مصر الذي وصفه بأنه يزداد تعقيدا وغموضا، مضيفا للجزيرة نت أنه اقترب من قضية حساسة تتصل مباشرة بالوضع داخل المؤسسة العسكرية فضلا عن فتحه للعديد من الملفات التي تم إغلاقها أو تجاهلها وتمس مسؤولين سابقين وحاليين.

ويعتقد راشد أن السلطة ربما فوجئت برد الفعل الكبير على الصعيدين الداخلي والخارجي، ووجدت نفسها في حرج بالغ في وقت هي فيه في أمسّ الحاجة لتحسين صورتها الخارجية.

وذهب الإعلامي المصري خالد يونس في الاتجاه ذاته، حيث اعتبر أن الضغوط الخارجية لعبت الدور الأكبر خصوصا تصريحات بان كي مون وهيومن رايتس، فضلا عن وجود دوائر أميركية على معرفة ببهجت بحكم إقامته لفترة بالولايات المتحدة.

وأضاف يونس أن الضغوط التي تتعرض لها السلطة بعد سقوط الطائرة الروسية، بالتزامن مع تراجع الاقتصاد والفشل في مواجهة  السيول التي تسببت في وفاة وإصابة العشرات، كان لها دور في رضوخ السلطة هذه المرة.

لكن يونس يتحدث أيضا صراحة عن اختلاف في حالة بهجت عن نشطاء وصحفيين آخرين، ويقول إن ما عرف عنه من معارضة للرئيس المعزول محمد مرسي وانتقاد لجماعة الإخوان المسلمين، يمثل عاملا مهما بالنسبة للسلطة الحالية التي دأبت على التعامل الخشن مع المعارضين الإسلاميين خصوصا مقابل التساهل النسبي مع الآخرين كما ظهر في حالات عديدة.

المصدر : الجزيرة