بعد أن تخطت تونس العديد من العقبات وبعد فترة من "الهدوء والاستقرار" على الساحة السياسية، تعود الخلافات من جديد لتطفو على السطح، ولكنها هذه المرة ليست خلافات بين أحزاب متضادة بل بين أعضاء حزب واحد: حزب نداء تونس.

إيمان مهذب

لم تكن خلافات حزب نداء تونس -الذي يقود الائتلاف الحاكم- تخفى عن الكثيرين منذ تأسيسه في يونيو/حزيران 2012، خلافات يبدو أنها كانت "مثل نار تحت الرماد"، نار زاد من تأججها صراع لم يعد خافيا بين شقّ يقوده أمين عام الحزب محسن مرزوق، وآخر يقوده حافظ قايد السبسي -نائب رئيس الحزب- نجل الرئيس التونسي الباجي قايد السبسي.

الحزب -الذي يضم في صفوفه نقابيين، ويساريين، وليبراليين، ودستوريين (كانوا ينتمون لحزب التجمع الدستوري المنحل الذي كان يترأسه الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي)- يجد نفسه اليوم مهددا بالتفكك والانقسام، مع تصاعد حدة الخلاف بين شقّ اليساريين وشقّ الدستوريين الداعمين للتحالف مع حركة النهضة.

ظروف النشأة
الحزب -الذي نشأ بعد أقل من سنة ونصف السنة على انتخابات المجلس التأسيسي في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2011 بدأ نشاطه كحركة يوم 26 يناير/كانون الثاني 2012، وأعلن عن تحوله لحزب سياسي يوم 16 يونيو/حزيران من العام ذاته- جاء في غمرة ظرف اقتصادي واجتماعي مترد، زادت فيه المخاوف على "مكاسب الدولة العصرية".

ظروف زادت تأزما مع عمليتي اغتيال سياسي طالت اليساري شكري بلعيد في فبراير/شباط 2013، والقيادي بالجبهة الشعبية محمد البراهمي في يوليو/تموز 2013، ليبدأ بعدها حراك "اعتصام الرحيل" الذي طالب بحل السلطات الثلاث.

هذا الحراك الذي تكتلت فيه أحزاب المعارضة على اختلاف توجهاتها لدعمه والمناداة بإسقاط حكم الترويكا -تقوده حركة النهضة- فاقم أزمة البلاد في تلك الفترة، أزمة لم تكن لتنتهي لولا مبادرة "الحوار الوطني" لإنهاء الصراع السياسي.

حوار لم يكن من السهل على فرقاء السياسة في تونس المضي فيه، لكنه كان أفضل من إدخال البلاد في سيناريوهات أسوأ.

في ظل "التوافق" الذي غلب على المصالح السياسية والحزبية توّجت تونس مرحلة انتقالية صعبة، ومرّت إلى "بر النجاة" بالمصادقة على الدستور في أواخر يناير/كانون الأول 2014، ثم بإجراء انتخابات تشريعية في أكتوبر/تشرين الأول 2014، فانتخابات رئاسية في نوفمبر/تشرين الثاني 2014.

انتخابات حملت إلى المشهد حزب نداء تونس في الصدارة ليحل محل حركة النهضة في البرلمان بـ86 مقعدا، وليقود مؤسس الحزب وزعيمه الباجي قايد السبسي (89 عاما) لمنصب الرئاسة.

وجد الحزب "الفتيّ" نفسه يقود البلاد، مهمة لم تكن سهلة في ظل تحديات سياسية واجتماعية جمّة، تضاعفت مع بروز الخلافات بين "أبناء الحزب الواحد"، خاصة بعد استقالة السبسي من رئاسة الحزب، مما أفرز صراعاً على مواقع اتخاذ القرار فيه، قبل انعقاد مؤتمره التأسيسي الذي يُفترض أن تخرج عنه قوانين داخلية، وهياكل منتخبة، لكن الخلافات بشأن موعده ما زالت قائمة

video

خلافات واستقالات
ومع اتساع هوة الخلاف، استقال 31 نائبا من كتلة الحزب بالبرلمان، مما يسمح لحزب النهضة بأن يصبح القوة الأولى.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل لوّح النواب المستقيلون من البرلمان بالاستقالة من الحزب الذي اعتبروا أن ممارساته "غير ديمقراطية"، مطالبين قيادة الحزب بمراجعة مواقفها، وفتح باب الحوار.

بعض المراقبين للشأن التونسي يرجعون الخلاف القائم إلى عدم التجانس الأيديولوجي، وفي هذا الصدد يقول المحلل السياسي جوهر بن مبارك إن "هذه الأزمة كانت متوقعة بسبب سرعة تكوين الحزب من خليط سياسي غير متجانس يشكله يساريون ونقابيون ومستقلون ومسؤولون بالنظام السابق".

الأمر ذاته جاء على لسان الناشطة الحقوقية والكاتبة نزيهة رجيبة "أم زياد" في تدوينة لها على موقع فيسبوك "منذ انطلاقته كان نداء تونس خليطا هجينا من الاستئصاليين والانتهازيين (الصادقون فيه يكادون يعدّون على أصابع اليد الواحدة) لا مشروع له إلا إسقاط حكم النهضة وإعادة النظام القديم".

حافظ قايد السبسي (وسط) خلال اجتماع سابق للحزب (رويترز)

أزمة واتهامات
أما أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة التونسية نوري الدين العلوي فذهب إلى أن الحزب لا يملك برنامجا ولا قيادة كفؤة"، معتبرا أن قادة الحزب "منشغلون بهمومهم الخاصة والزعاماتية وافتكاك الغنائم بينما البلد على شفا الانهيار اقتصاديا".

وبين هذا وذاك يتهم شقّ الأمين العام محسن مرزوق حافظ قايد السبسي بالسعي إلى وراثة رئاسة الحزب، فيما يتهم الأخير خصومه بـ"عدم مشروعية نيلهم قيادة الحزب".

ووسط هذه الاتهامات المتبادلة، يذهب البعض بالاعتقاد إلى أن الأمر يتعدى الخلاف الأيديولوجي إلى صراع "مبكّر" على نيل كرسي الرئاسة.

 وهو ما كشف عنه النائب البرلماني عن الحزب، عبد العزيز القطي -في تصريحات إعلامية- بقوله إن "محسن مرزوق منذ توليه الأمانة العامة، بصدد تنفيذ أجندة خاصة بطموحاته الشخصية، واليوم اتضح أن طموحاته تستهدف مباشرة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي ومؤسسات الرئاسة".

يأتي ذلك بينما يتخوّف آخرون من سعي الباجي قايد السبسي لتوريث ابنه، وهو ما تقول عنه الأكاديمية والكاتبة آمال القرامي "إن ما يسترعي الانتباه فى الأزمة التى يعيشها حزب النداء هو هيمنة بني القرابة وعودة فكرة التوريث من جديد، والحال أن بورقيبة كان قد حسم هذا الموضوع بكل صرامة. فقد منع مؤسس دولة الاستقلال ابنه من ممارسة العمل السياسى والتموقع فى المشهد السياسى باعتباره ابن الرئيس".

المصدر : الجزيرة