لم يعد عدم التوصل لحل يرضي مصر والسودان وإثيوبيا خبرا غريبا على متابعي أزمة سد النهضة الذي بدأت أديس أبابا في بنائه قبل نحو أربع سنوات، واعترضت القاهرة عليه خوفا من تأثيره السلبي على حصتها من مياه النيل.

دعاء عبد اللطيف-القاهرة

لم تفض المباحثات الأخيرة بين مصر والسودان وإثيوبيا بشأن سد النهضة إلى حل للأزمة، وانتهت المباحثات -التي عقدت على مدى يومين مطلع الأسبوع الجاري بالقاهرة- بإعلان مدّ التباحث إلى جولة عاشرة تعقد لاحقا في الخرطوم.

ورغم وصف وزير الري المصري حسام مغازي -خلال الجلسة الأولى للاجتماع- المباحثات بالمفصلية والحاسمة، فإن الاجتماع لم يسفر عن أي تطور جديد، بل وصل الأمر لعدم عقد مؤتمر صحفي لإعلان ما توصلت إليه المباحثات.

وتتخوف مصر من تأثير السد على حصتها السنوية من مياه النهر (55.5 مليار متر مكعب)، ومن المخاطر البيئية والاقتصادية له، بينما تؤكد إثيوبيا أنه سيمثل نفعا لها خاصة في مجال الطاقة دون إيقاع ضرر بالقاهرة والخرطوم.

والتباطؤ في تحركات القاهرة يقابله تحرك سريع في البناء، فقد أعلن علاء ياسين مستشار وزير الري المصري أمس الاثنين أن معدلات تنفيذ سد النهضة بلغت 45% من حجم الإنشاء الكلي.

المصري: مصر أخطأت بالتوقيع على وثيقة إعلان المبادئ لسد النهضة (الجزيرة)

كارثة
من جانبه، قال السفير السابق والخبير في الشأن الأفريقي بلال المصري إن ملف سد النهضة شهد إهمالا جسيما من الجانب المصري منذ عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، واصفا الوضع الراهن "بالكارثي"، لأن المشروع سيضيع ربع الحصة المائية السنوية للبلاد.

وأكد للجزيرة نت أن مصر ستعاني من نقص حصتها المائية مع زيادة الكثافة السكانية، وتصاعد الاحتياجات المائية في السنوات القادمة، موضحا خطأ المسؤولين المصريين بالتوقيع على وثيقة إعلان المبادئ لسد النهضة في مارس/آذار الماضي، التي أدخلت بناء السد في طور الشرعية القانونية.

وأشار المصري إلى تعامل إثيوبيا مع قضية السد بوصفه أمنا قوميا، موضحا أنها استغلت عدم الاستقرار السياسي الذي تشهده مصر منذ سنوات وبدأت في بناء السد.

والمفاوضات الحالية لن تفضي إلى شيء "فالمريض مات"، حسب الخبير في الشأن الأفريقي الذي تابع: "الإثيوبيون يضيعون الوقت بالمباحثات وقد أنجزوا بناء أكثر من نصف السد".

والحل الوحيد، وفق رأيه، هو التقدم بشكوى لمجلس الأمن، مضيفا أن التلويح بالحل العسكري متاح كوسيلة ضغط.

تقارير إعلامية تشير إلى أن إثيوبيا أنجزت نحو 50% من سد النهضة (رويترز-أرشيف)

بيان صادم
بدوره، قال وزير الري الأسبق محمد علام إنه بالرغم من لغة الخطاب القوية التي ظهرت في كلمة وزير الري في الجلسة الافتتاحية للمباحثات، فإن البيان الختامي جاء صادماً ومحبطاً.

ولفت -في تصريح صحفي- إلى الأشهر الكثيرة المهدرة في المباحثات، متوقعاً تأجيل عقد الاجتماع العاشر في ظل المراوغة والتعنت الذي يتسم به المفاوض الإثيوبي، وفق وصفه.

ومن جهته، قال المحلل السياسي أسامة الهتيمي إن النظام حريص على أن يبدو محققا نجاحات في ظل الظروف السياسية والاقتصادية التي تمر بها مصر.

وفي سبيل ذلك، فالنظام لم يتوان عن إعلان حدوث تقدم إيجابي بشأن المحادثات حول السد، إلا أن عدم عقد مؤتمر صحفي والإعلان فقط عن عقد جولة عاشرة يؤكد الفشل في ذلك.

وأضاف الهتيمي للجزيرة نت أنه من المثير للتعجب أن تعتبر الحكومة المصرية مجرد الاتفاق على عقد اجتماع جديد في السودان بمثابة نجاح بعد 15 شهرا من المباحثات، موضحا أن النجاح الحقيقي يتمثل في إعلان الحكومة عن تفهم إثيوبيا التخوفات المصرية ومراعاتها التقارير الفنية حول آثار السد على القاهرة والخرطوم.

وحذر من التقارير التي تؤكد انتهاء أثيوبيا من 50% من السد، وهو ما يعني أن المفاوضات ليست إلا مراوغة إثيوبية لتضييع الوقت، ووضع مصر أمام الأمر الواقع.

وفي مقال له أشار الكاتب المختص في الشأن الأفريقي عطية عيسوي إلى الاتهامات الموجهة للقاهرة بأنها تساهلت أكثر من اللازم، وأفرطت في الثقة في نوايا إثيوبيا بموافقتها على وثيقة إعلان المبادئ التي تضمنت عبارة "احترام وتنفيذ توصيات الخبراء"، بدلاً من "الالتزام بتوصيات الخبراء وتنفيذها" لمنع أي محاولة للتهرب منها، وكذلك عدم النص على التحكيم الدولي عند حدوث خلاف.

المصدر : الجزيرة