يسترجع والد الشهيد فادي لحظات ابنه الأخيرة قائلا إنه لم ينم تلك الليلة، ثم غفا قليلا بعد صلاة الفجر ورأى ابنه في المنام يطالبه بأن يُدفن بجوار جدته في مقبرة باب الساهرة بالقدس، ثم جاءه نبأ استشهاده.

أسيل جندي-القدس المحتلة

"إذا عاد فادي يوما إلى المنزل ووجدني نائما طبع قبلة على جبيني وذهب لغرفته، لم ينادني يوما بأبي بل كان يناديني باسمي فقط، فقد أردت منذ صغره أن أكون صديقه وشقيقه ووالده".

كلمات متقطعة تتخللها دموع الحسرة عندما ينطق بها سمير علون، والد الشهيد المقدسي فادي علون (19 عاما) الذي استشهد برصاص شرطة الاحتلال بحي المصرارة في القدس المحتلة، في وقت يماطل جهاز المخابرات في تسليم الجثمان.

ويقول الوالد "تلك الليلة كانت الأقسى حيث لم أنم بتاتا، لكني غفوت بعد صلاة الفجر قليلا وحلمت بفادي، حيث خاطبني في المنام طالبا مني أن يُدفن بجوار جدته في مقبرة باب الساهرة بالقدس، وكان وجهه جميلا مبتسما".

وتابع أنه سيحقق له طلبه مهما كلفه الأمر، فلم يبق لديه ما يخسره بعد أن رحل ابنه إلى الأبد دون ذنب ارتكبه، مضيفا أن ابنه لجأ للشرطة ظنا منه أنها ستحميه من المستوطنين المتطرفين الذين كانوا ينوون الاعتداء عليه، فكان هو ضحيتهم خلال لحظات.

والد الشهيد فادي رآه بالمنام يطلب منه دفنه قرب جدته قبيل استشهاده (الجزيرة)

الليلة الأخيرة
ولد الشهيد فادي علون عام 1996، وله شقيق يصغره بعام ونصف العام اسمه محمد يعيش مع والدته في الأردن منذ انفصال الوالدين بسبب تبعات قانون لمّ الشمل.

تزوج والداه وباشرا بإجراءات لمّ الشمل، إلا أن سلطات الاحتلال منعت الأم بعد سفرها إلى الأردن من العودة للقدس بادعاء أنها خرقت شروط معاملة لمّ الشمل، ليعيش محمد بقية حياته مع أمه في الأردن، ويبقى فادي مع والده بالقدس.

وقال الأب إنه قرر تكريس حياته لابنه، متحدثا عن شعوره بالسعادة عندما كان يراه وهو ينضج حتى غدا شابا يملك شخصية محببة، قبل أن يسلب الاحتلال حياته برصاصة قاتلة، مضيفا في أسى "كيف سأعيش بعده؟ من سيؤنس وحدتي؟".

واسترجع الأب تفاصيل الليلة الأخيرة التي قضاها مع ابنه الشهيد قائلا إن فادي دخل المنزل مبتسما كعادته ومازحه قائلا "لماذا لم تحضر النرجيلة بعد؟"، فقال له "حالا سأفعل". ثم سهرا معا وكانت تلك المرة الأخيرة التي رأى فيها ابنه حيا، وهو ينتظر الآن إلقاء نظرة الوداع عليه عندما يتسلم جثمانه.

هيا علون: ما زلنا حتى اللحظة نعيش حالة من نكران الحقيقة (الجزيرة)

صعوبة التصديق
أما عمة الشهيد هيا علون فتقول إن البسمة لم تفارق وجه فادي يوما، وإن نظافته الشخصية وأناقته كانت شيئا أساسيا في حياته، مضيفة أن والده كان يجلب ملابسهما نهاية كل أسبوع للغسيل، مبدية حسرتها الآن بعد أن رحل فادي وترك لها ملابسه.

وتابعت أن أخاها بات الآن كالجسد الذي انتزعت منه الروح بعد رحيل ابنه، كما تحدثت عن مشاعرها عندما شاهدت مقطع الفيديو الذي كان يحتضر فيه فادي، مؤكدة أنها ستستمر بمشاهدته لترى كيف كان فادي يتحرك في لحظاته الأخيرة.

وتحدثت العمة أيضا عن لحظات ابن أخيها الأخيرة وعن طلبه منها إعداد مأكولات فلسطينية، مضيفة في ألم "كيف سأقوى على إعداد هذه المأكولات بعد رحيله؟ هناك الكثير من تفاصيل الحياة اليومية ترتبط بوجوده بيننا".

وفي الوقت نفسه، بدت علامات الصدمة على بقية أفراد العائلة، كما استحضرت عمة الشهيد ريما علون شخصية فادي المرحة التي كانت تبث فيهم الأمل دائما، مما يجعل من الصعب عليهم تصديق رحيله حتى الآن.

وتابعت "تلقيت اتصالا من ابنتي تقول لي إن شهيدا بالمصرارة ارتقى يدعى فادي علون، فاتصلنا بوالد فادي فورا لنتحقق منه فقال إنه خرج لأداء الصلاة، وبعد دقائق تأكد اسم الشهيد وما زلنا حتى اللحظة نعيش حالة من نكران الحقيقة".

وتختتم العمة بقولها إنهم عاجزون عن الاقتناع بموته لأنهم لم يروه ميتا ولم يضعوه في قبره بعد.

المصدر : الجزيرة