في أول غزو خارجي روسي منذ حرب أفغانستان، أكد الرئيس بوتين أنه في سوريا يأخذ حصته من الحرب العالمية على الإرهاب. لكن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية خلعت القداسة على تلك الحرب، وسط رفض من كنائس المشرق وخشيتها من تبعات هذا الإعلان.

كالقطرة التي أفاضت الكأس جاء دعم الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا لقرار موسكو شن غارات جوية في سوريا ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ووصفت ذلك بأنه "معركة مقدسة".

دعم الكنيسة هذا جاء في تصريح لرئيس قسم الشؤون العامة في الكنيسة فسيفولود تشابلن، الذي قال إن "القتال ضد الإرهاب هو معركة مقدسة اليوم، وربما تكون بلادنا هي القوة الأنشط في العالم التي تقاتله".

وأثار التصريح عاصفة من ردود الفعل، الأمر الذي دفع ببطريركية أنطاكية وسائر المشرق للروم الأرثوذكس لإصدار بيان توضيحي أشارت فيه إلى أن "وسائل الإعلام المحلية تناقلت ترجمةً غير دقيقة تدل على سوء فهم أو استخدام لتصريح تشابلن" .

التقرير الخاص بموقف الكنيسة وتقارير أخرى تنشر غدا ضمن هذه التغطية (الجزيرة)

ويقول رئيس دير "سيدة البلمند البطريركي" الأرشمندريت يعقوب خليل لصحيفة لبنانية إن "ما أدلى به تشابلن جاء في إطار مقابلة إذاعية، ولم يصدر بيان رسمي عن الكنيسة الروسية. وما قاله هو إن مقاومة الإرهاب أخلاقية، وإذا أردتم مقدسة. لم يقل إطلاقا إن الكنيسة الروسية أعلنت حربا أو معركة مقدسة، لم يتطرق إلى جهاد مقدس أو حرب دينية أو حرب مسيحية أو أرثوذكسية".

ويؤشر دعم الكنيسة للتدخل الروسي في سوريا إلى الحرص على إضفاء صبغة دينية ومباركة من الكنيسة لخطوة الرئيس فلاديمير بوتين، وترسل رسالة للمسيحيين بأن لديهم ظهيرا دوليا يستطيعون الاعتماد عليه بعد فشل الأميركيين في مساعدة مسيحيي العراق وسوريا للتشبث بأرضهم.

ورغم أن القيادة الروسية لم تنبس ببنت شفة عن مسيحيي سوريا، فإن أهدافها المعلنة من الحملة هي "القضاء على الإرهاب ومكافحة جماعاته ولا سيما تنظيم الدولة"، ولكن هناك من فهم كلام الكنيسة على أنه "حرب صليبية، ونحتاج إلى صلاح الدين جديد لتحقيق النصر"، كما غرد الخبير العسكري والإستراتيجي فايز الدويري.

ويبلغ عدد مسيحيي سوريا 1.5 مليون وفقا لأحد المصادر الحكومية، ولكن العدد تناقص بشكل حاد مع استعار الحرب السورية وازدياد الهجرة وسيطرة تنظيم الدولة على عدة مناطق يوجد فيها المسيحيون، حيث فرض التنظيم بمحافظة الرقة على المسيحيين دفع الجزية ذهبا وعدم إظهار ما يشير إلى دينهم مقابل "عهد أمان". وبث إصدارا يتطرق إلى قيام "مسيحيي مدينة القريتين بريف حمص بإعطاء التنظيم الجزية"، والتزامهم بعقد الذمة. ووجه أحد شرعيي تنظيم الدولة "رسالة إلى نصارى المشرق والمغرب، وإلى حامية الصليب أميركا، أسلموا تسلموا، وإن أبيتم فعليكم بدفع الجزية".

اختطاف المطرانين
كما تعرض عدد من رجال الدين المسيحيين والرهبان للقتل والاختطاف بينهم مطرانا حلب يوحنا إبراهيم وبولس يازجي، اللذان مر أكثر من عامين على اختطافهما من جهة مجهولة دون ورود أي أخبار عنهما.

ويعتبر أحد المراقبين أن الكنيسة الشرقيّة في سوريا أقرب للنظام، وتساءل عن أسباب صمت وعجز الكنيسة المارونيّة بلبنان عن "مواجهة المخطط الروسي الحثيث السّاعي إلى إعادة أمجاد الإمبراطورية والانتقام التاريخي المتمثّل بالهيمنة على الكنيسة الشرقية واستعادتها".

يشير مدير مركز الدراسات المسيحية الإسلامية في "جامعة البلمند" بلبنان الأب جورج مسّوح حازم إلى أنه "لا حرب مقدسة في المسيحية. كل حرب نرفضها، أكانت باسم إله اليهود، أم إله المسيحيين، أم إله المسلمين. لذلك، فإن موقف الكنيسة الروسية لا يعنينا، مسيحيو الشرق يؤمنون بأن لا حرب مقدسة، ولا جهاد مقدسا، ولا حقا إلهيا في الحرب".

ويقع في دمشق -التي زارها رأس الكنيسة الأرثوذكسية الروسية البطريرك الراحل أليكسي الثاني وخلفه البطريرك كيريل عدة مرات- كرسي بطريرك أنطاكية وسائر المشرق.

ويشير مدير مركز الدراسات المسيحية الإسلامية في "جامعة البلمند" بلبنان الأب جورج مسّوح حازم إلى أنه "لا حرب مقدسة في المسيحية. كل حرب نرفضها، أكانت باسم إله اليهود، أم إله المسيحيين، أم إله المسلمين. لذلك، فإن موقف الكنيسة الروسية لا يعنينا، مسيحيو الشرق يؤمنون بأن لا حرب مقدسة، ولا جهاد مقدسا، ولا حقا إلهيا في الحرب".

أمر مرفوض
ويتابع -في حديث صحفي- أن "العودة إلى القرون الوسطى أمر مرفوض، لا نريد أيضا الإمبراطورية البيزنطية والبابوية اللتين شنتا حروبا باسم الله. ولا نقبل أيضا بداعش أو بأي كان يقاتل باسم الله".

وتوجه إلى المسلمين بالقول "كما تتبرؤون من تنظيم الدولة وسواه ممن ينسب جهاده إلى الله، نحن أيضا لا علاقة لنا بالكنيسة الروسية وما أعلنته. للروس مصالح في هذه البلاد، المسيحيون الشرقيون لا يريدون إطلاقا دفع ثمن صراعات ونفوذ".

ولا يختلف وضع المسيحيين في العراق عن سوريا حيث تشير تقديرات إلى أن عدد المسيحيين اليوم في العراق لا يتجاوز مئتي ألف بعد سيطرة تنظيم الدولة على مدينة الموصل في صيف 2014.

وعن هذا الواقع يقول عضو برلمان كردستان العراق والقيادي في كيان أبناء النهرين سرود المَقدسي إن أوضاع المسيحيين في العراق تتجه من سيئ إلى أسوأ، ولفت إلى أن "الهجمة البربرية" التي استهدفت سهل نينوى والموصل أدت إلى نزوح أكثر من 150 ألف مسيحي إلى كردستان العراق وحده. وتحدث المقدسي بنبرة متشائمة قائلا إن المهجّر المسيحي أصبح يرى نهاية النفق مظلمة وهو فاقد للأمل في هذه المرحلة.

المصدر : الجزيرة