خلال أقل من عشر سنوات شُيدت مئات العمارات في تخوم القدس، وأقيم بعضها على أراض سلبت من أصحابها من قبل متنفذين، وتحيط بالعمارات الشاهقة مناطق تفتقر للبنية التحتية والخدمات والإشراف الهندسي، لتتحول أحياء الفلسطينيين خلف الجدار إلى "مناطق عشوائية".

عوض الرجوب-القدس

دفعت إجراءات الاحتلال الإسرائيلي المشددة في القدس ومنع تراخيص البناء، عشرات آلاف الفلسطينيين إلى الإقامة في مناطق بتخوم المدينة تتبع جغرافيا حدود بلديتها، لكن الجدار العازل أبقاها خارجها دون خدمات.

وبغياب الإشراف والتخطيط والمتابعة، تسارعت وتيرة البناء في القدس، وخلال أقل من عشر سنوات شُيدت مئات العمارات السكنية، بعضها على أراض سلبت من أصحابها من قبل متنفذين، مما يجعل من هذه المناطق قنبلة موقوتة قد تنفجر في أية لحظة.

ووفقا للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، فإن الكثافة السكانية في مدينة القدس (345 كلم2) عام 2013 بلغت 1182 فردا لكل كيلومتر مربع، مقابل 487 فردا لكل كيلومتر مربع في الضفة الغربية و4742 فردا لكل كيلومتر مربع في غزة.

عودة: غياب الرقابة أدى لتزايد التعديات على الأراضي والبناء دون ضوابط (الجزيرة)

ورشة عمل
ومع بدء إقامة الجدار العازل عام 2002، تحولت منطقتا كفر عقب وسميرا ميس شمال القدس، ومنطقة شعفاط في الشرق، إلى ما يشبه ورشات عمل لبنايات دون ترخيص وبغياب إشراف هندسي وتنظيمي، وانعدام للخدمات مثل وسائل السلامة والدفاع المدني والبنية التحتية.

ومع تزايد الطلب على السكن في هذه المناطق، ارتفعت الأسعار وانتشرت ظاهرة التعدي على الأراضي وخاصة تلك التي يوجد أصحابها خارج البلاد.

ونظرا لغياب جهة رسمية تقوم على مصالح المواطنين، أخذت مجموعة من المحامين على عاتقها متابعة القضايا العامة -وخاصة الكهرباء والمياه والنفايات- في محاكم الاحتلال، من خلال عيادة قانونية أسسوها في حي كفر عقب لهذا الغرض، وحققت نجاحات جزئية.

وقال المحامي معين عودة، أحد أعضاء العيادة، إن الأحياء المتروكة خارج الجدار لا تختلف قانونيا عن أي مكان آخر داخل إسرائيل، لكن البلدية لا تقوم بالدور المنوط بها تجاهها.

وأوضح أن تزايد السكان في هذه المنطقة -من قرابة سبعة آلاف نسمة عام 2005 إلى نحو 65 ألفا اليوم- شجع مقاولين على البناء دون متابعة أو مساءلة أو ترخيص، فظهرت مشاريع عملاقة وناطحات سحاب واكتظاظ خطير.

وأضاف أن عمليات البيع والشراء للشقق السكنية تتم بوكالات دورية بين الشاري والمتعهد الذي قد يبيع الشقة نفسها لأكثر من شخص، دون أي نوع من حفظ الحقوق. مضيفا أن غياب الرقابة أدى لتزايد التعديات على الأراضي والبناء دون ضوابط أو إشراف هندسي، وهو ما يفترض أن تتولاه بلدية القدس.

وأكد عودة وجود ظواهر أخرى، بينها الانفلات الأمني والاعتداء من قبل متنفذين، والاستيلاء على الأراضي التي لا يُعرف أصحابها أو يقيمون في الخارج.

واستنادا إلى معطيات بلدية القدس، قال المحامي المقدسي إن موازنة النفايات عام 2012 بلغت نحو 84 مليون دولار، خصص منها نحو نصف مليون فقط للأحياء خلف الجدار، ومن أصل حوالي 225 مليون دولار خصصت للشوارع كان نصيب الأحياء المعزولة نحو 204 آلاف دولار فقط.

منطقة شعفاط شرقي القدس تشهد كثافة بنيان دون ترخيص أو رقابة (الجزيرة)

منطقة عشوائية
ولا تخلو الصحف الفلسطينية أسبوعيا من إعلانات تحذير من التعديات على الأراضي، لكن عدم تحمل الاحتلال مسؤوليته ومنع السلطة من ممارسة صلاحياتها في هذه المناطق يصعب تلبية هذه المناشدات، مما يولد حالة احتقان عامة يحذر خبراء من تراكمها.

ووفق جمعية حقوق المواطن الإسرائيلية، فإن الأحياء التي يسكن فيها فلسطينيون خلف الجدار تحولت إلى "منطقة عشوائية"، موضحة أن غياب البنى التحتية والخدمات الحيوية يؤدي إلى إلحاق ضرر بيئي وصحي جسيم ومتواصل.

وتتهم محافظة القدس التابعة للسلطة الفلسطينية الاحتلال باتباع سياسة إلغاء حقوق الإقامة وحرمان العائلات من لمّ الشمل وتجريد السكان الفلسطينيين من حق الإقامة في القدس الشرقية المحتلة وسحب الهويات الشخصية، وهو ما طال أكثر من 14 ألفا وخمسمئة مقدسي ما بين عامي 1967 و2014.

وتشير المحافظة إلى حاجة المقدسيين إلى ما لا يقل عن ستين ألف وحدة سكنية، وهو ما يضطر كثيرين إلى البناء دون ترخيص رغم مخاوف الهدم، حيث يوجد ما يقرب من 15 ألفا وخمسمئة منزل فلسطيني غير مرخص في القدس.

المصدر : الجزيرة