تحل اليوم ذكرى الخامس من أكتوبر/تشرين الأول التي يتذكر فيها الجزائريون انتفاضتهم عام 1988، حينما تظاهر الآلاف للمطالبة بإصلاحات، وتعهد الرئيس بتحقيق انفتاح ديمقراطي تم إجهاضه لاحقا -حسب البعض- لكن أنصار السلطة يرون أن تلك الأحداث كانت ربيعا جزائريا مبكرا.

ياسين بودهان-الجزائر

بعد مرور 27 سنة على أحداث الخامس من أكتوبر/تشرين الأول 1988، يستحضر الجزائريون اليوم هذه المناسبة وسط تساؤلات عما تحقق من مطالبهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي ثاروا من أجلها، ودفعوا لأجلها ثمنا باهظا.

وتعد انتفاضة أكتوبر 1988 السبب الرئيس في دخول الجزائر عهد التعددية والانفتاح السياسي، وبداية لأحداث ما تزال تداعياتها ماثلة إلى اليوم، وتظاهر الآلاف من الجزائريين آنذاك احتجاجا على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، بسبب أزمة أسعار النفط التي شهدها العالم عام 1986.

وبسرعة كبيرة عمت المظاهرات أغلب المدن الجزائرية الكبرى، وهاجم المتظاهرون المقرات الحكومية والأمنية، وأسفرت الأحداث عن مقتل 120 شخصا حسب الإحصائيات الرسمية، ونحو خمسمئة حسب نشطاء.

وأجبرت الأحداث الرئيس الشاذلي بن جديد آنذاك على التعهد بتنفيذ إصلاحات سياسية، توجت بدستور 23 فبراير/شباط 1989، مما سمح بإنشاء أكثر من ستين حزبا سياسيا، وإنهاء حكم الحزب الواحد.

ورغم أن هذه الأحداث توجت بإصلاحات غير مسبوقة، فقد تم الالتفاف على الإصلاحات -حسب البعض- من طرف السلطة تدريجيا، ولم تستطع المعارضة تغيير طبيعة ومكونات النظام الحاكم، حيث بقيت رموز الحزب الواحد ضمن أهم مكوناته.

مقري: الوضع السياسي يعيش انتكاسة حقيقية وكبيرة جدا (الجزيرة)

انتكاسة حقيقية
ومن جهته، أكد رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري أن أوضاع الاقتصاد والسياسة والحريات التي تعيشها الجزائر حاليا أشبه ما تكون بتلك التي عاشتها قبل أحداث الخامس من أكتوبر، مضيفا للجزيرة نت أن "الوضع السياسي يعيش انتكاسة حقيقية وكبيرة جدا".

وقال إن "النظام البوليسي ما يزال قائما"، وإن سلسلة التغييرات الأمنية والحكومية الأخيرة لا تتعلق بما تشيعه أحزاب الموالاة من كونها تأتي في سياق "تمدين" الحياة السياسية، لأنها -في رأيه- مجرد نقل لصلاحيات من طرف لآخر داخل النظام، مؤكدا أن البلد تجتمع فيه كل العناصر التي أدت إلى انتفاضة أكتوبر.

وبرأي المؤرخ والأكاديمي محند ارزقي فراد فإن انتفاضة أكتوبر كانت بمثابة الربيع الجزائري الذي جاء متقدما بعقود على الربيع العربي، ومتزامنا مع ربيع أوروبا الشرقية، وخاصة بولونيا.

وأضاف أن هذا "الربيع" حقق مكاسب للجزائريين وأفقدهم مكاسب أخرى، مضيفا أن أهم ما تحقق هو "فتح باب التعددية السياسية والإعلامية، رغم أن المكسب الأول لم يقطف الجزائريون ثماره بعد".

والسبب في ذلك يعود -حسب فراد- إلى كون النظام "المستبد" قام بمناورة والتفاف حول هذا المكسب، وأفرغه إلى حد كبير من محتواه"، واستدل بما قال عنه "ممارسات تعسفية من ضغوط وقمع وسجن تطال أصحاب الرأي"، مما يؤشر في تقديره على غياب الإرادة السياسية للنظام القائم من أجل تطليق النظام الأحادي طلاقا بائنا.

فراد: انتفاضة أكتوبر كانت بمثابة ربيع جزائري (الجزيرة)

تحسن مستمر
واعتقد الإعلامي رياض هويلي بأن ما ثار من أجله الجزائريون، وخاصة وضع حد لنظام الحزب الواحد، تحقق نسبيا عبر إقرار التعددية وحرية إنشاء جمعيات، لكنه دون طموحات الجزائريين.

وفي رأيه، فإن أوضاع الجزائر اليوم أشبه بما كانت عليه قبل تلك الأحداث، مع فارق بسيط يتلخص في أنه "لم تكن هناك حرية تعبير ولا أحزاب معارضة، ولا قنوات فضائية خاصة، بينما اليوم درجة الغليان أكبر والمنابر الدعائية أكثر".

من جهة ثانية، اعتقدت رئيسة المنظمة الوطنية لترقية السلم فاطمة الزهراء بوصبع بأن ما ثار من أجله الجزائريون قبل 27 سنة تحقق، فالحريات السياسية "في تحسن مستمر"، والدليل على ذلك أن المعارضة تمارس نشاطها بكل حرية، وأن الكثير من الأطراف السياسية غير المعتمدة تمارس نشاطا يهدد استقرار البلاد دون أن تتعرض لأي ضغوط، حسب رأيها.

ورغم اعترافها بوجود نقائص اقتصادية واجتماعية، فإن ذلك لا يغيّب -في رأيها- جهود الدولة في إقرار العدالة الاجتماعية، عبر إشراك المواطنين ومنظمات المجتمع المدني في حل كل المشاكل المرتبطة بالمجالات سابقة الذكر عن طريق فتح قنوات الحوار.

المصدر : الجزيرة