تتعقد حياة الحلبيين شيئا فشيئا، وتتعاظم مخاوفهم من برد الشتاء وما يصاحبه من معاناة على إيقاع رائحة الموت القادمة من السماء على أجنحة طائرات بوتين والأسد، والخوف من حصار قوات النظام للمدينة أو قطع تنظيم الدولة طريق التجارة مع تركيا.

نزار محمد-حلب

بخوف وقلق يراقب الأهالي سير المعارك في حلب وريفها، لكن أمرا آخر ينافس المعارك في تفكيرهم، ألا وهو فصل الشتاء الذي يحل ثقيلا على أهالي المدينة دون أن تتمكن كثير من العائلات من التجهيز لاستقباله.

وبحسب المركز السوري لحقوق الإنسان، فقد شهدت سوريا خلال الأعوام الماضية حالات عدة من الوفيات بسبب البرد في فصل الشتاء، من بينها عشرون حالة خلال العام الماضي.

وفي ظل الحرب المستمرة منذ خمس سنوات، بات قطع الأشجار للحصول على الحطب هو الحل الأمثل لمعظم الأسر الفقيرة للتدفئة في الشتاء، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وصعوبة توفيره، بينما لجأت أسر أخرى لشراء الملابس المستعملة.

ويخشى أهالي ريف حلب من انقطاع الخطوط التجارية الواصلة إلى المدينة، سواء من نظام بشار الأسد أو تنظيم الدولة الإسلامية، وهو ما قد يؤدي لارتفاع كبير في أسعار المواد الخدمية والاستهلاكية.

سورية تعد الطعام في ريف حلب الجنوبي على نار أشعلتها من مخلفات بلاستيكية (الجزيرة نت)
أوضاع صعبة
"أكثر ما قد ينعكس على الأهالي في فصل الشتاء سلبا هو أن تحاصر قوات النظام المدينة، أو أن يقطع تنظيم الدولة الإسلامية الطريق الواصل بين ريفي حلب الشرقي والشمالي الخاضع لسيطرة المعارضة، والذي يستخدم لاستيراد المحروقات"، هذا ما أكده مدير المكتب الإعلامي في الدفاع الوطني خالد الخطيب.

وأكد الخطيب للجزيرة نت أن الأهالي يعتمدون بشكل رئيسي على السولار (المازوت) في التدفئة بسبب نفاد الحطب من الأسواق، بعد توقف معامل الأخشاب عن العمل وقطع الأشجار المستمر في الحدائق والبساتين.

وتعتمد بعض العائلات الحلبية على تخزين كميات الوقود والحطب في الصيف -لأنها تكون أرخص- ليتم استهلاكها في الشتاء، مثل أبو حسن حداد الذي لم يتوانَ عن ادخار كمية من الحطب استعداداً لاستقبال فصل الشتاء.

وقال أبو حسن للجزيرة نت "الحطب المتوفر لدي يكفيني شهرا واحدا فقط على أكثر تقدير، فقد كنت في السابق أجلب الحطب من ورش المفروشات والمعامل التي تعمل بالأخشاب، لكن الآن لا يوجد أي أحد يعمل بهذا المجال، لأن معظم أشجار الحدائق تم قطعها خلال السنوات الثلاث الماضية".

وأكد أبو حسن أن الأهالي غير القادرين على شراء المازوت يبحثون عن أكياس النايلون والمواد البلاستيكية والأحذية القديمة في شوارع حلب، لاستخدامها وقودا للطهي والتدفئة.

أعباء مالية
من جانبه، أكد أبو محمد غزال ابن حي كرم الجبل في حلب، "أن تكاليف التدفئة في حلب وريفها تتجاوز الدخل الذي يجنيه معظم أبناء المدينة، لذلك يكتفي البعض بشراء الطعام والشراب فقط".

وأضاف للجزيرة نت "ثمن اللتر الواحد من المازوت مئتا ليرة سورية، وليس لدي قدرة على تغطية مصاريف التدفئة، لذا ننتظر عودة التيار الكهربائي بفارغ الصبر كي نشغل المدفأة الكهربائية، وفي كثير من الأحيان نضطر لاستخدام الأغطية من أجل أن ننعم بعض الدفء".

وتابع "في الشتاء الماضي بادرت منظمات بتوزيع كمية من الحطب على الأهالي، لكنها لم تكفِ أسبوعا واحدا، واليوم يقول لنا القائمون على المجالس المحلية إنه لا يتوفر لديهم الحطب إلى الآن".

قطع الأشجار للحصول على الحطب استعدادا لفصل الشتاء في سوريا (الجزيرة نت)

كابوس الفقراء
بدوره رأى الناشط في مركز حلب الإعلامي خليل نجار، أن فصل الشتاء يأتي ككابوس على الأهالي الفقراء الذين يعتمدون على تبرعات السلال الغذائية في معيشتهم، كون معظمهم عاطل عن العمل.

وأشار -في حديث للجزيرة نت- إلى أن المجالس المحلية والمنظمات لا قدرة لديها على معالجة هذا الموضوع، ففي الشتاء الماضي توفي أكثر من خمسة أشخاص في حلب بسبب موجة البرد الشديد وسوء استخدام المدفئة، كما أن بعض الأهالي يضطر للطهو بواسطة حرق الأحذية القديمة، مما يسبب أمراضا، لكن يبقى من في منزله أفضل حالا ممن يقطن المخيمات.

وشدد على أن المبادرات التي يطلقها الناشطون أو الجمعيات الخيرية للتخفيف من معاناة المدنيين في فصل الشتاء، من خلال توزيع كميات من المازوت أو الملابس المستعملة، تظل عاجزة عن مواجهة الأزمة الكبيرة، مشيرا إلى أن المواد الموزعة لا تكفي في العادة الأسرة الواحدة لأكثر من أسبوع.

المصدر : الجزيرة