بعد يومين من استشهادها، ما زالت زميلات دانيا ارشيد ومعلماتها يفتقدنها في مدرسة الريان بالخليل، حيث زينّ مقعدها بصورتها وبأعلام فلسطين، بينما يستقبل والدها المهنئين باستشهادها قائلا إنها ليست ابنته فقط بل ابنة فلسطين "التي تدفع كل يوم ثمنا لعزتها".

عوض الرجوب-الخليل

في إحدى شعب الصف الثاني عشر بمدرسة الريان للبنات غربي الخليل، ما زالت الطالبات يفتقدن زميلتهن دانيا ارشيد (17عاما)، حيث حلت مكانها صورتها ولوحة كتب عليها اسمها والكوفية وأعلام فلسطين.

وكانت دانيا قد استشهدت برصاص الجيش الإسرائيلي قرب المسجد الإبراهيمي الأحد الماضي، بينما كانت متوجهة إلى المسجد لأداء الصلاة والدعاء بالتوفيق لاجتياز مرحلة الثانوية العامة.

وجاء وقع خبر الاستشهاد قاسيا على زميلاتها ومعلماتها، ولا زال الحزن يخيم على مدرستها. لكن طالبات صفها اللاتي أشدن بدماثة خلقها وحسن علاقاتها، قررن أن تكون بينهن فلم يتركن مقعدها فارغا، بل وضعن صورتها مزينة على طاولة الدراسة.

قررت الشهيدة منذ بداية العام الدراسي الحالي شحذ همتها للنجاح والتغلب على عائق اللغة الإنجليزية، فالتحقت بمركز للتدريب في المدينة وتوجهت إلى الله بالدعاء أن يوفقها، كما يقول والدها جهاد ارشيد.

ونظرا لأهمية المسجد الإبراهيمي في نفوس الفلسطينيين، يقول الوالد إن رانيا تعودت أن تنهي دروس التقوية وتتوجه إلى المسجد للصلاة فيه والدعاء، لكن الأحد الماضي كان مختلفا، حيث وجدت عند بوابات المسجد الإلكترونية قرار الإعدام جاهزا، فبادرها جنود الاحتلال بالرصاص بحجة محاولتها طعن أحدهم، ثم تركوها تنزف حتى الموت دون تسليم جثمانها.

صورة الشهيدة دانيا ارشيد في مقعدها بمدرسة الريان للبنات (الجزيرة)

نفي الطعن
ويوضح الوالد أن ابنته رفضت قبل استشهادها عدة عروض للزواج مفضلة إكمال دراستها، لكن الشهادة كانت أسبق إليها، نافيا بشدة ادعاء الاحتلال محاولتها تنفيذ عملية طعن.

ويفضل والد الشهيدة عدم تحدث والدتها مع الصحفيين بسبب ظروفها النفسية الصعبة، وقد تحدث إلى الجزيرة نت أمام منزله أثناء استعداده للمشاركة في مسيرة تطالب بتسليم جثامين الشهداء، وذلك قبل التوجه إلى ديوان العائلة عصرا لاستقبال أفواج المعزين أو "المهنئين" كما يقول.

وفي مكان الاستقبال توزع العائلة الحلوى والقهوة، تعبيرا عن فرحتها بالشهيدة. وفي مشهد غير معتاد يبدو جهاد مرتاحا دون مشاعر قلق أو حزن، ويفسر هذا بقوله "إن دانيا ليست ابنته فقط بل ابنة فلسطين التي تدفع كل يوم ثمنا لعزتها"، مبديا ثقته بأن الله شرّفه بمنح ابنته ما هو أفضل من الثانوية العامة التي كانت تسعى لها، وما هو أفضل من أهلها ومدينتها.

ويضيف أنه يحتسب ابنته شهيدة عند الله، وعليه فإن الله ألهمه الصبر وألقى في قلبه السكينة دون أن يبالي بتسلّم جثمانها أم لا. لكنه يبدو متألما لحال الشعب الفلسطيني وفصائله، داعيا الجميع للتوحد والعمل المشترك لأن كل الفلسطينيين مستهدفون وعلى مفترق طرق تاريخي، بحسب قوله.

جهاد ارشيد: الاحتلال يريد إذلال عائلات الشهداء وحرق قلوب ذويهم (الجزيرة)

إعدام وإذلال
وفي الوقت نفسه، يقول جهاد -وهو على أبواب الخمسين من العمر وله عدا الشهيدة خمسة أبناء وبنتان- إن الاحتلال يقتل الأطفال والفتيات ويضع بجوار جثثهم سكاكين ثم يدعي أنها محاولة طعن، بينما هي "جرائم إعدام بكل معنى الكلمة وبالبث المباشر أحيانا".

وتابع أن الاحتلال أراد بترك ابنته تنزف أمام وسائل الإعلام دون إسعاف واحتجاز جثمانها، إذلال عائلات الشهداء وحرق قلوب ذويهم، لكنه يرد بأن الجسد يبلى بينما الروح عند خالقها.

ويبدي والد الشهيدة عتابا كبيرا على المجتمع الدولي ودعاة حقوق الإنسان "الذين يشاهدون إعدامات الأطفال والنساء ولا يحركون ساكنا"، ويدعو لتدخل فوري لحماية الأطفال من بطش الاحتلال.

المصدر : الجزيرة