خميس بن بريك-تونس

عمقت حادثة سجن إمام تونسي بتهمة الإساءة لرجال الأمن أزمة عزل الأئمة التي أججت بعض الاحتجاجات داخل مساجد تونس وخارجها.

فقبل أيام حُكم على إمام وخطيب بجامع الصنوبر بمدينة الدهماني في محافظة الكاف (شمال غرب) يدعى محسن السالمي بالسجن ستة أشهر نافذة، كما قررت وزارة الشؤون الدينية عزله عن الإمامة، وأصبح مهددا بالفصل من عمله مسؤولا محليا بوزارة الفلاحة إذا تم تثبيت هذه العقوبة.

وكانت احتجاجات قد اندلعت قبل أيام في محافظة صفاقس (جنوب) وأمام مقر وزارة الشؤون الدينية بالعاصمة إثر عزل الإمام رضا الجوادي.

كما رفض مصلون في جامع اللخمي بمدينة صفاقس إقامة صلاة الجمعة وراء إمام تم تعيينه من وزارة الشؤون الدينية مكان الجوادي.

ومؤخرا، تم عزل الإمام نور الدين الخادمي الذي كان وزيرا للشؤون الدينية في حكومة الترويكا التي كانت تقودها حركة النهضة.

غير أن هذه القرارات قوبلت بسخط من أئمة عزلوا قبل فترة، معتبرين أنها قرارات تسلطية تزيد من حالة الاحتقان داخل المساجد وخارجها.

قرارات للتشفي
فقد قال المسؤول النقابي شهاب الدين تليش –الذي عُزل عن الإمامة مؤخرا- إن القرارات الأخيرة أحدثت حالة من الارتباك لدى المصلين، مؤكدا أن قرارات العزل شملت أئمة معروفين بوسطيتهم وكفاءتهم، ووصفها بأنها قرارات "لم تحترم القانون".

تليش: قرارات العزل شملت أئمة معروفين بوسطيتهم وكفاءتهم (الجزيرة نت)

وأضاف للجزيرة نت أن قرارات العزل تستهدف التشفي من أئمة بسبب توجهاتهم في المحافظة على شرعية الحكومة السابقة، في إشارة لحكومة الترويكا، مبينا رفضه إصدار عقوبات بالسجن في حق الأئمة بمقتضى قانون 88 المتعلق بالمساجد.

ووصف هذا القانون الذي صدر في عهد النظام السابق وما زال ساريا بأنه "ظالم" مذكرا بأن الأئمة طالبوا بإلغائه دون جدوى، مضيفا أن الحكم بالسجن على زميله السالمي مع النفاذ العاجل كان قاسيا، وأنه كان من الأفضل أن يستدعى لاستجوابه من قبل الوزارة.

وأوضح بأن زميله لم يحرض ضد رجال الأمن وإنما أشار في خطبة له إلى توظيف أشخاص مجهولي النسب بالأمن في حكم الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة، لكنه أقر بأن السالمي ذكر بأن أولئك الأشخاص كانت قلوبهم قاسية في التعامل مع خصوم النظام السابق من المعارضين والحقوقيين.

تجاوزات الأئمة
من جهة أخرى، قال المسؤول بوزارة الشؤون الدينية سليم بن الشيخ إن قرارات العزل جاءت نتيجة تجاوزات ارتكبها بعض الأئمة، موضحا في حديث للجزيرة نت أن "قرارات العزل لم تشمل إلا جزءا قليلا من الأئمة الذين قاموا بإخلالات جسيمة".

ومن بين التجاوزات التي اعتبرها خطيرة، وصف الإمام الموقوف بعضَ رجال الأمن بلقطاء بورقيبة، معتبرا أنها إساءة للأمنيين.

وأكد ذلك المسؤول أن الوزارة "تعمل على إعادة تأهيل الأئمة وعزل الذين تم تعيينهم بعد الثورة بالولاء دون مستوى ديني وثقافي".

القوماني: أزمة المنابر سابقة للثورة وتونس انعدم فيها التكوين المعمق (الجزيرة نت)

كما عاب على بعض الأئمة المعزولين بث الفوضى بالمساجد، قائلا "هناك من منع صلاة الجمعة وهذا لم يقع حتى في عهد الاستعمار" مطالبا إياهم بالتعقل والتظلم عن طريق الوسائل القانونية للمحكمة الإدارية لإنصافهم إن كانت لديهم تحفظات، مؤكدا أن الوزارة تحترم القضاء.

وعن رأيه في الانتقادات الموجهة للوزارة بالتضييق على الحريات الدينية، قال المسؤول الحكومي "إن كان المفهوم بالحريات الدينية هو الفوضى فنحن ضدها".

وفي السياق ذاته، يرى السياسي والباحث بالفكر الإسلامي محمد القوماني أن "أزمة المنابر سابقة للثورة لأن تونس منذ عقود انعدم فيها التكوين الإسلامي المعمق" مبينا أن تونس عاشت خلال العقود الثلاثة الماضية أزمة خطاب ديني، وهذا ما جعل الشباب التونسي يتجه إلى الفضائيات ومواقع الإنترنت.

وقال القوماني إن وزارة الشؤون الدينية ارتكبت خطأ فادحا في عزل الأئمة، مشيرا إلى أنه لمس بعض التعسف في عزل بعضهم دون حجج قوية.

أما عن موقفه من سجن الإمام، فقال إنه يرفض إصدار عقوبة بتلك الشدة رغم أنه انتقد ما تضمنته خطبته من رواية شعبية متداولة عن بعض الأمنيين قال إنها لا تقوم على معطى علمي.

المصدر : الجزيرة