تفاقمت ظاهرة الإعدام الميداني التي تمارسها قوات الاحتلال بحق الشبان الفلسطينيين منذ اندلاع هبّة القدس، والتبرير دائما جاهز "نية الشبان تنفيذ عمليات طعن". ويعتقد الفلسطينيون أن هذه السياسة تهدف لترويع الشباب وإخماد هبّتهم، دون أن تحقق أهدافها حتى الآن.

محمد محسن وتد-القدس المحتلة


ساهم منح إسرائيل تراخيص لليهود لحمل السلاح الشخصي بزيادة حالة التوتر والاحتقان، والاستهداف الدموي للفلسطيني بإطلاق الرصاص صوبه لمجرد الشك بأنه "يشكل خطرا" أو يعتقد أنه قد ينفذ عملية طعن.

وتندرج الإعدامات الميدانية ضمن نهج المؤسسة الإسرائيلية وأذرعها الأمنية لتخويف وترهيب الفلسطينيين، وثنيهم عن المشاركة بالمظاهرات والمواجهات، بغية إخماد فتيل "هبّة القدس" والدفع بالمقدسيين للهجرة القسرية، أو العيش بخوف تحت سطوة الاحتلال.

وتعتبر منظمات حقوقية الإعدامات الميدانية والتمثيل بجثث الفلسطينيين جرائم حرب، وانتهاكا صارخا للقوانين الدولية والإنسانية. إلا أن الحكومة الإسرائيلية توفر لمواطنيها اليهود الغطاء السياسي والقانوني بتحريضها على العنف ضد الشعب الفلسطيني.

ويرى كثير من المقدسيين أن غياب سلطة القانون وانعدام الردع، وعدم فتح تحقيق أو تسجيل ملفات جنائية بالحوادث -كما يقتضي القانون الجنائي والمدني- منح غطاء للإسرائيليين والمستوطنين باستخدام السلاح ضد الفلسطينيين، وضمان إفلات الجاني من العقاب، وعدم المساءلة والمحاكمة وتبرير القتل بزعم الدفاع عن النفس.

أسواق القدس القديمة باتت ساحة حرب واستنفار أمني غير مسبوق (الجزيرة)

صراع وصمود
منحت عملية الإعدام الميداني للشاب مهند حلبي برصاص قوات الاحتلال، بادعاء تنفيذه لعملية طعن ليهود بشارع الواد بالقدس القديمة، الضوء الأخضر للمستوطنين للقتل، وتكرر المشهد ثانية بعد أيام بنفس المكان حين أطلق مستوطن الرصاص على الفتاة شروق دوريات وحاول إعدامها.

ويعيش السبعيني الحاج محمد فتحي أبو رميلة من مواليد البلدة القديمة مشاعر ممزوجة بالخوف والتفاؤل، إذ تطارده هواجس المستقبل المبهم، خاصة وأن القدس القديمة تمر بألحك وأصعب الظروف منذ الاحتلال، لكنه لا يزال يعيش الأمل بنيل الحرية والاستقلال، خاصة أنه عاش وأسرته المؤلفة من ثمانين شخصا عقودا من الصمود، رافضا الهجرة خارج أسوار القدس، رغم مرارة الصراع في كل زاوية من المدينة المقدسة.

ويسرد أبو رميلة للجزيرة نت مشاهد الإعدامات الميدانية التي نفذت بالقرب من مسكنه، وبات وعائلته أسوة بباقي المقدسيين يعيشون في خطر وبدائرة الاستهداف، فبات يفقد الأمن حتى داخل منزله، وتتصاعد مخاوفه بمجرد خروج أولاده للعمل طلبا للقمة العيش، وما عاد آمنا على حياة أحفاده بذهابهم للمدرسة أو اللعب بالأزقة، إذ يخشى عليهم من فوهات البنادق المنتشرة بأسواق البلدة القديمة.

الحاج محمد فتحي أبو رميلة.. عقود من الصمود ويواجه الآن أياما عصيبة من المخاوف (الجزيرة)

تخويف وردع
بمثل هذه المشاعر، يفتتح حبيب الحروب محله التجاري بشارع الواد، الذي ألف أجواء الصدامات والقتل، وتنتشر فيه مظاهر عسكرة القدس القديمة، منذ اندلاع الانتفاضة، مطلع أكتوبر/تشرين الأول الجاري.

ويحث الحروب التجار على فتح المحال التجارية والصمود بها، رغم انعدام البيع والشراء، لتفويت الفرصة على الاحتلال بوضع اليد عليها وتسليمها للمستوطنين مثلما حصل بشارع الشهداء في الخليل.

وتبدو سلطات الاحتلال عازمة من خلال الإعدامات الميدانية على تهجير المقدسيين، وإنجاز مخططات التهويد والاستيطان بتخوم المسجد الأقصى، وفق ما أكده الحروب للجزيرة نت. حيث أشار إلى أنه "لا توجد هجرة ونزوح رغم احتدام المواجهات والخطر الوجودي، بل هناك صمود وتصدٍ لمخططات الاحتلال، إذ لم تردع وسائل القمع وسفك الدماء المقدسيين عن دفع ضريبة الدم دفعا للذل والإهانة".

وأبدى الحروب عدم قناعته بالمزاعم والرواية الإسرائيلية التي تصف نضال ومقاومة الشعب الفلسطيني بـ "الإرهاب" ويجزم بأن إسرائيل تفتعل أحداثا أمنية للتخويف والردع وثني الشباب عن المواجهات، في مسعى لإخماد الانتفاضة وتفريغ البلدة القديمة من الفلسطينيين وإعادة ترسيم حدود بالقدس.

المصدر : الجزيرة