يبدو أن الأزمات الاقتصادية والسياسية التي عانت وتعاني منها اليونان حجبت طموحا يونانيا بتسجيل حضور سياسي وتطلعات أخرى لأثينا في منطقة الشرق الأوسط، يتعلق بعضها بالجوار وبعضها الآخر بامتدادات ثقافية ودينية تتطلع إلى إحيائها.

شادي الأيوبي-أثينا

تحت عنوان "التعددية الثقافية والدينية والتعايش السلمي في الشرق الأوسط"، عقد في العاصمة اليونانية أثينا مؤتمر خلال اليومين الماضيين، شارك فيه العشرات من السياسيين ورجال الدين القادمين من مناطق متفرقة من العالم بدعوة من وزارة الخارجية اليونانية، التي أعلنت عزمها تنظيمه قبل أشهر لكن الأزمة السياسية والاقتصادية حالت دون انعقاده في الوقت المحدد.
 
وناقش المشاركون في المؤتمر التحديات التي تواجه "التعايش السلمي بين الجماعات الدينية المختلفة في المنطقة"، وتحدث مشاركون غربيون عن رؤيتهم للشرق الأوسط والمرحلة التي يمرّ بها بعد الربيع العربي، كما فرضت قضية اللاجئين القادمين من سوريا والمنطقة والمفاوضات الأوروبية التركية بشأن كيفية التعامل معها، نفسها على المؤتمر.

أما أبرز التوصيات التي خرج بها المؤتمر، فدعت إلى "إنشاء مرصد في أثينا لمراقبة أحداث وتطورات منطقة الشرق الأوسط والحريات الدينية فيها"، كما أوصى بدعم الدول التي تستضيف لاجئين مثل لبنان والأردن.

وحول التوصية الأولى، يرى المراقبون أن لليونان "مصالح تاريخية في العالم العربي"، لا سيما أنه يحوي ثلاث بطريركيات يونانية تابعة، والكثير من الكنائس والأديرة التابعة لكنيسة أثينا، كما تظهر اليونان اهتماما واضحا بالمسيحيين الأرثوذوكس في المنطقة، خاصة مسيحيي بلاد الشام، وتعتبر أنها من المسؤولين عن حمايتهم.

وزير الخارجية اليوناني نيكولاوس كوتزياس (الجزيرة)

دوافع
ويرى بعض المعنيين في أثينا أن المؤتمر"سيكون بداية حراك يوناني يهتم بالعالم العربي، في إطار محددات مثل حماية الأقليات والمساعدة في محاربة التطرف والإرهاب وتحويل اليونان إلى وسيط في القضية الفلسطينية مقبول من الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي".

لكن آخرين يشككون في ذلك، ويقولون إن اليونان "ليس لها الثقل الدولي للعب دور في أزمات عجزت القوى الكبرى عن حلها وإنهاء الصراعات حولها".

وفي جواب عن سؤال للجزيرة نت بشأن الدور الذي يمكن لليونان أن تلعبه في أزمة معقدة كالأزمة السورية، قال وزير الخارجية اليوناني نيكولاوس كوتزياس إن بلاده "تعهدت بالقيام بدور الوسيط بين الفرقاء المتصارعين في سوريا، وهؤلاء أظهروا ثقتهم بوساطة أثينا ونقلها الرسائل المختلفة بين أطرف الصراع"، لكنه رفض إعطاء المزيد من التفاصيل حول الوساطة اليونانية في الملف السوري. 

ماريا يخناكي تشكك في قدرة اليونان على الوساطة (الجزيرة)

تشكيك
وقالت مديرة موقع "بريفينغ نيوز" ماريا يخناكي إن "اليونان لها علاقات جيدة تقليديا مع دول العالم العربي، وأرسلت  مساعدات وأدوية للمحتاجين في أوقات الحروب، لكن العلاقات الإنسانية مختلفة عن دور الوسيط في قضايا تمثل مصالح دول متورطة في حروب وأعمال عدائية".

وشككت في قدرة اليونان على لعب دور الوسيط في المنطقة "لعدم وجود سابقة لها في المجال، بينما هناك مسائل مفتوحة وخلافات حول مسائل أساسية مثل مسجد أثينا".

وأضافت يخناكي أن "هناك مشكلات أخرى لم تحلّ بعد مع الجانب العربي، خاصة في مسألة بطريركية القدس التي لها تاريخ أسود بخصوص نشاطاتها ضد المصالح العربية"، وقالت إن وساطة اليونان لن تكون مقبولة من أي طرف. وتساءلت "على من سنعرض وساطتنا؟، على فرنسا التي تقصف سوريا وتتسبب بموجة اللجوء والتي لم تحل اليونان مشاكلها معها بعد؟ أم مع روسيا التي تقصف معاقل المتشددين لأجل مصالحها ولا يمكن أن تسمع توسلات اليونان لوقف النار؟".

كما شككت يخناكي أيضا في قدرة مرصد أثينا المزمع إنشاؤه على تحقيق نتائج ملموسة، وسألت عمن سيكون مسؤولا عنه، و"عن المبادئ والمعايير التي سيعتمدها، ومن سيموله؟ ففي حال عدم توفر الإرادة السياسية فإن مصالح القوى العظمى لن تهتم بوجود المراصد، وسوف تظل هناك جرائم حرب وكراهية".

المصدر : الجزيرة