يقدّر ناشط سوري أن نحو خُمس سكان سوريا فقط يفضلون البقاء بينما يحلم الآخرون بالهجرة، فبالرغم من ارتفاع مخاطر التعرض للاعتقال أو الغرق، يلجأ البعض لبيع منازلهم بنصف القيمة لتأمين ما يكفي من المال لركوب البحر باتجاه أوروبا.

علاء الدين عرنوس-ريف دمشق

وفقاً للرحلة المقررة مسبقا، ينوي الشاب الثلاثيني أيمن مغادرة دمشق مع عائلته براً إلى لبنان بكلفة ١٢٠ دولاراً، ومنها إلى مرسين التركية على متن باخرة ركاب بكلفة أربعمئة دولار لكل شخص، وهناك سيختار أيمن أفضل عرض للإبحار في الزوارق المطاطية تجاه أوروبا بكلفة وسطية مقدرة بنحو ثلاثة آلاف دولار.

وتعترف إيناس زوجة أيمن بخطورة الرحلة التي تتضاءل فيها نسبة النجاة إلى النصف، لكنها تقول "لقد تبدد أملي حيال أي مستقبل لأطفالي داخل سوريا، فلا يمكنك أن تتخيل الأسباب التي تدفع بنا للهجرة بهذا الشكل".

واتفق الزوجان أخيراً على بيع منزلهما بنصف قيمته بعد أن قضوا سبع سنوات في بنائه وتجهيزه، وتقول إيناس "يعز علينا أن نبدد كل ما جمعناه في عمرنا بهذا الشكل، لكننا فقدنا كل أمل هنا".

ورغم اختلاف وجهة نظر أيمن مع زوجته بشأن خطط السفر التي يعتبرها إجراءً مؤقتاً يرتبط بانتهاء الحرب، يعترف هو الآخر بأن أقاربه الذين تسنت لهم فرص اللجوء إلى أوروبا غير مستعدين للعودة.

ويبقى الهاجس الأكبر الذي يقلق أن يحصل لهم ما هو غير متوقع يعيدهم إلى الصفر، فعمليات اعتقال المغادرين في المعابر الحدودية بسبب تهم سابقة تثير خشية أسرة أيمن الموشكة على السفر.

أيمن يعرض منزله للبيع بنصف قيمته الحقيقية لتأمين نفقات السفر خارج سوريا (الجزيرة)

حياة جديدة
ويشير الناشط المدني معاوية حمود إلى ارتفاع حاد في أعداد سوريي الداخل الطامحين في مغادرة بلادهم بسبب ارتفاع حدة المخاطر وصعوبة الحياة، إذ يقدر أن نحو خُمس السكان فقط يفضلون البقاء، ويضيف "لا يزال مئات المحاصرين ينتظرون فرصة أن تتسنى لهم ممرات آمنة تمنحهم أملاً بحياة جديدة".

وكما هو الحال مع الأرملة الدمشقية ندى التي اضطرت لبيع أثاث منزلها ثمناً لثلاث تذاكر إلى تركيا، تختلف وسائل السوريين في تأمين المال اللازم للسفر وتنتهي غالباً ببيع المنزل بعد استنفاد المدخرات خلال الحرب.

وتقول ندى التي فقدت زوجها خلال الحرب إنها كادت تقع ضحية لعملية احتيال من سماسرة مكاتب السفر التي ازدهرت أعمالها بنسب قياسية، مضيفة "يعرفون حاجتنا الملحة للسفر ويطالبوننا بمبالغ خيالية لقاء خدماتهم السيئة".

وبالرغم من قرار المنع الذي فرضه النظام، ما تزال مكاتب السفر في دمشق تقدم خدمات الحجز عن طريق البحر إلى تركيا، وتحدد أسعار الرحلات بأسعار متضاربة تصل لألفي دولار للشخص الواحد أحياناً، وذلك قبل أن يبدأ المسافر خطوته الأشد خطراً عبر القارب المطاطي نحو أوروبا.

جواز سفر سوري (الجزيرة)

مصيدة النظام
وتشكل عمليات الاعتقال على المعابر الحدودية ومراكز الهجرة والجوازات "مصيدة" لمعارضي النظام، ما يدفع بالكثيرين إلى البحث عن طرقٍ للهرب معتمدين على مناطق سيطرة المعارضة لتأمين سلامتهم.

وتروي شابة كردية دمشقية -طلبت عدم ذكر اسمها- أنها مُنعت من السفر بموجب قرار قضائي بحقها، فاستعانت بمهربين لتصل إلى العاصمة الأردنية عمّان مقابل ألف دولار.

ورغم أن آمال الهجرة بعيداً عن ويلات الحرب تستحوذ على هاجس مئات السوريين في الداخل، فإن أكثر من ثلاثة ملايين نسمة من المحاصرين في مناطق ريف دمشق لا يملكون عملياً الحق في تقديم طلبات اللجوء أو حتى في الوصول إلى مناطق آمنة.

وفي هذا السياق، يقول مقاتل دمشقي منشق عن الجيش النظامي، ويقيم في داريا، إنه كان ينوي السفر للعلاج من إصابته التي تلقاها خلال المعارك، لكن ذلك ليس سوى حلم بعيد المنال، إذ لم يجد حتى الآن ممرا آمنا يسلم فيه من الملاحقة.

المصدر : الجزيرة