عند الحديث عن إجراءات الاحتلال بالقدس المحتلة ومحاصرة البلدة القديمة والمسجد الأقصى بالحواجز، سرعان ما يستحضر الفلسطينيون تجربة الخليل وبلدتها القديمة والمسجد الإبراهيمي الذي تحوّل جزء منه إلى كنيس، ويعتبرون ذلك مقدمة لما سيجري بالقدس رغم اعتقادهم بفشله.

عوض الرجوب-الخليل

ارتبطت القدس والخليل الفلسطينيتان عبر التاريخ بقواسم عقائدية وجغرافية واقتصادية واجتماعية مشتركة، جعلت من تلك المدينتين توأما حتى في شكل المعاناة والانتهاكات في عهد الاحتلال الإسرائيلي منذ عام 1967.

ففي حين تحتضن البلدة القديمة من القدس المسجد الأقصى، تشرف البلدة القديمة من الخليل بـ المسجد الإبراهيمي، وكلاهما محل استهداف من الاحتلال. كما تنتشر في البلدتين الحواجز العسكرية والبؤر الاستيطانية، وتتسارع خطى التهويد والتهجير، بل وشهدتا تكرارا لعمليات الطعن التي استهدفت جنود الاحتلال ومستوطنيه في الآونة الأخيرة.

وعند الحديث عن إجراءات الاحتلال بالقدس المحتلة ومحاصرة البلدة القديمة والمسجد الأقصى بالحواجز، سرعان ما يستحضر الفلسطينيون تجربة الخليل وبلدتها القديمة والمسجد الإبراهيمي الذي تحوّل جزء منه إلى كنيس، ويعتبرون ذلك مقدمة لما سيجري في القدس رغم اعتقادهم بفشله.

بوابة إلكترونية في البلدة القديمة من الخليل (الجزيرة)

تقسيم الخليل
وشكلت المجزرة التي ارتكبها المستوطن باروخ غولدشتاين بحق المصلين في المسجد الإبراهيمي -وأدت لاستشهاد ثلاثين فلسطينيا يوم 25 فبراير/شباط 1994- محطة فاصلة في تاريخ الخليل، فبدل أن يعاقب الجاني عوقب المجني عليه.

واستنادا إلى توصية لجنة تشكلت للتحقيق في المجزرة، تم تحويل جزء من المسجد إلى كنيس، كما أغلقت عدة شوارع في البلدة القديمة وما زالت مئات المحلات التجارية وعدد من الشوارع مغلقة تماما بصفائح الحديد أو الإسمنت أو الحواجز العسكرية.

أما المسجد الإبراهيمي، فقد اقتطع نصفه الخلفي وتحول فعليا إلى كنيس، بينما وضعت بوابات إلكترونية لتفتيش المصلين، وزرعت في أنحاء المسجد ومحيطه عشرات الكاميرات بخلاف إجراءات التفتيش اليومي.

وكما استغلت إسرائيل المجزرة لمعاقبة الضحية بالخليل، يخشى المقدسون أن تستغل الانتفاضة الحالية وانشغال الرأي العام لتنفيذ مخططها للتضييق على المسجد الأقصى وتعزيز اقتحامات المستوطنين له.

مكعبات إسمنتية تقسم أحياء مدينة القدس (الجزيرة)

لن تُقسّم القدس
وهنا يؤكد حسام أبو ليل، النائب الثاني لرئيس الحركة الإسلامية بالداخل الفلسطيني، أن إجراءات الاحتلال أثرت على وصول المقدسيين إلى المسجد الأقصى وأعداد المعتكفين والمرابطين فيه.

وأضاف في حديثه للجزيرة نت من المسجد الأقصى أن الحواجز العسكرية وإجراءات التفتيش ومصادرة الهويات على أبواب المسجد الأقصى حالت دون وصول الكثيرين إلى المسجد في ساعات الصباح الباكر لهذا اليوم.

وبالتزامن مع التشديدات على المصلين، قال أبو ليل إن "السياح الأجانب وأعداد من المستوطنين اقتحموا باحات الأقصى، في ظل انتشار كثيف لشرطة الاحتلال وبوجود أعداد قليلة من المصلين".

لكنه مع ذلك شدد على أن خطة الاحتلال لاستغلال الوضع وتقسيم الأقصى وجعل اقتحاماته طبيعية "لن تكون، حتى لو بقي فلسطيني واحد في الأقصى فلن يكون هناك تقسيم"، وأضاف أن "إجراءات الاحتلال لن تزيد الفلسطينيين إلا إصرارا على حماية الأقصى".

من جهته، يقول الباحث في شؤون بيت المقدس د. ناجح بكيرات إن الخليل والقدس مرتبطتان تاريخيا وعقائديا واقتصاديا واجتماعيا، لدرجة أن أغلب المؤرخين تناولوا في مؤلفاتهم المدينتين معا.

وأضاف بكيرات أن كثيرا من سكان الخليل رحلوا واستقروا في القدس، كما يجمع المدينتين ذات الطراز المعماري في البناء، موضحا أن المماليك كانوا عينوا ناظرا للحرمين.

 ناجح بكيرات: أغلب المؤرخين تناولوا القدس والخليل معا (الجزيرة)

صراع الهوية
وأضاف الباحث الفلسطيني -في حديثه للجزيرة نت- أن سلطات الاحتلال ومنذ احتلالها المدينتين تسعى لتغيير المعالم الإسلامية والعربية فيهما إلى معالم يهودية، لكن تنفيذ الخطة في الخليل كان أسهل لعدم معرفة العالمين العربي والإسلامي بالأهمية التاريخية للمدينة.

ورغم تقارب الإجراءات، يؤكد د. بكيرات أن المشهد في القدس مختلف من حيث الموروث الثقافي والعقائدي، وإسرائيل تواجه مشكلة في المضي بخططها حتى من قبل مناصريها في العالم.

وأضاف "الاحتلال استبق وضع البوابات الإلكترونية في البلدة القديمة بنشر آلاف من عناصر الشرطة والمخابرات، وإبعاد مقدسيين عن الأقصى، ونشر الكاميرات فيها وتغيير أسماء الشوارع والاعتقالات، وقبل ذلك عزلها بالجدار العازل عن الضفة، لكن كل ذلك لم ينجح في فرض أجندة الاحتلال على المدينة".

وقال الباحث أيضا إن مما يساعد في إفشال خطط الاحتلال، إضافة إلى الموروث العقائدي، أن العرب يشكلون قرابة 65% من سكان البلدة القديمة.

المصدر : الجزيرة