باهر محمد: لن ينجح أحد في تخويف الصحفيين
آخر تحديث: 2015/10/16 الساعة 23:01 (مكة المكرمة) الموافق 1437/1/4 هـ
اغلاق
خبر عاجل :الرئيس الفرنسي: سيكون من الخطأ الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران دون أي بديل
آخر تحديث: 2015/10/16 الساعة 23:01 (مكة المكرمة) الموافق 1437/1/4 هـ

باهر محمد: لن ينجح أحد في تخويف الصحفيين

باهر محمد أكد أن حبس الصحفيين يمثل إساءة كبيرة لسمعة مصر (الجزيرة)
باهر محمد أكد أن حبس الصحفيين يمثل إساءة كبيرة لسمعة مصر (الجزيرة)

حاوره: عبد الرحمن أبو الغيط

أكد الصحفي بقناة الجزيرة الإنجليزية باهر محمد أن تضييق النظام المصري على الصحفيين واعتقاله أكثر من 100 صحفي مثل إساءة كبيرة لسمعة البلاد في العالم.

وأضاف في حوار مع الجزيرة نت أنه سيواصل عمله كصحفي، وأن 437 يوما قضاها في السجن زادت من حبه وعشقه لهذه المهنة، وأنه سيكرس حياته للدفاع عن أي صحفي معتقل سواء في مصر أو خارجها. وفي ما يلي نص الحوار:

في بداية هذا الحوار نود العودة لأول فصول المحنة, هل لك أن تروي اللحظات الأولى لاعتقالك؟

 في صباح يوم 29 ديسمبر/كانون الأول 2013 علمت بخبر القبض على الزميلين بيتر غريستي ومحمد فهمي من مقر قناة الجزيرة الإنجليزية في فندق ماريوت بالقاهرة، فبدأت بنشر تغريدات على موقع "تويتر" للمطالبة بالإفراج عنهما، وفي المساء تلقيت اتصالا من أحد الزملاء الصحفيين أخبرني فيه بأن الشرطة تبحث عني ونصحني بمغادرة المنزل.

وبعد الاتصال بحوالي ساعة سمعت صياح كلب الحراسة في منزلي ثم صوت طلقات نارية، وعندما نظرت من النافذة وجدت قوات الأمن تحيط بالمنزل بأعداد كبيرة، وعلى الفور قاموا بتحطيم البوابة الخارجية للمنزل واقتحامه، ودخلوا منزل والدي، وعندها أخبرتهم بأنني أسكن في الطابق الأعلى واصطحبتهم لشقتي، قاموا بتحطيم أثاث المنزل والتفتيش بصورة همجية، كما قاموا بسرقة أجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة وكل ما أمكنهم سرقته.

وفي تلك الفترة كنت أحاول التماسك رغم قلقي وخوفي من أن يتعرضوا بأذى لزوجتي أو والدي ووالدتي أو أحد إخوتي، كما كنت خائفا أن يستيقظ أبنائي الصغار من النوم ويشاهدوا هذا المنظر.

وأثناء التفتيش سألني بعض الضباط عن علاقتي بقناة الجزيرة الإنجليزية، وبعدها وضعوا غطاء قماشي أسود على وجهي، واقتادوني إلى معسكر الأمن المركزي في الكيلو عشرة ونصف على طريق القاهرة الإسكندرية الصحراوي، وهناك وضعوني في غرفة صغيرة جدا بلا تهوية، وبها أعداد كبيرة من المعتقلين، وكنا نتناوب الجلوس والنوم لضيق المكان.

وأتذكر في تلك الليلة أنني شاهدت معتقلا مسنا يصرخ في الحراس ويناشدهم ليسمحوا له بدخول دورة المياه لأنه مريض دون أي جدوى، وفي النهاية لم يتمالك نفسه وتبول في ملابسه.

ما التهم التي وجهت لك ولفريق الجزيرة الإنجليزية؟

في نفس الليلة حقق معي ضباط جهاز الأمن الوطني، ووجهت لي تهم مضحكة، كالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين، وتمويل الجماعة، والتحريض الإعلامي ضد الجيش والشرطة، وفبركة أخبار بهدف الإساءة لسمعة مصر، دون أن يقدموا دليلا واحدا على تلك الاتهامات، وفي تلك الفترة تعرضت لتعذيب نفسي وتهديدات كثيرة في محاولة لانتزاع أي اعتراف، وكنت أعتقد أنني سأخرج بعد أيام.

جرت محاكمتك أمام أكثر من محكمة بتهم باطلة، ومن دون أدلة، ومع ذلك أصدرت قرارات قضائية بإدانتك، كيف تفسر ما جرى؟

لم يقدم أي دليل ضدنا، واكتشفت أن جلسات المحاكمة عبارة عن مسرحية رخيصة مجرد إجراءات شكلية لخداع الرأي العام المحلي والدولي، وفي النهاية تصدر الأوامر من رأس السلطة

في البداية تم التحقيق معي أمام نيابة أمن الدولة العليا دون حضور محام بالمخالفة للقانون، ورغم قناعتي السابقة كوني خريج كلية الحقوق بأن النيابة العامة هي محامي الشعب كانت صدمتي كبيرة من عدم اكتراث النيابة لعدم وجود أدلة واستمرارها في حبسنا، فقد كانت الأوامر تأتي لهم من جهات سياسية.

وكانت صدمتي أكبر عندما تحولت أوراق القضية إلى المحكمة سواء في المحاكمة الأولى والثانية، لم يقدم أي دليل ضدنا، واكتشفت أن جلسات المحاكمة عبارة عن مسرحية رخيصة، مجرد إجراءات شكلية لخداع الرأي العام المحلي والدولي، وفي النهاية تصدر الأوامر من رأس السلطة.

المشكلة الرئيسية أن ما يجري حاليا في الدوائر التي شكلتها السلطة الحالية خصيصا لمحاكمة الصحفيين والمعارضين باسم "دوائر جرائم الإرهاب" أساء بصورة كبيرة لسمعة القضاء المصري خاصة وسمعة مصر عموما.

كيف كانت تعاملك سلطات السجن؟ وهل كونك صحفيا بالجزيرة سهل عليك المهمة أم صعبها؟

أثناء فترة اعتقالي وضعت أنا والزملاء غريستي وفهمي في ثلاثة سجون، هي العقرب والمزرعة وملحق المزرعة، وأصعب فترة هي التي قضيناها في سجن العقرب شديد الحراسة، حيث كانت إدارة السجن تحاول كسر عزيمتنا من خلال منع الطعام والشراب عنا، ووضعنا في زنازين انفرادية غير آدمية.

وأتذكر أول زيارة لزوجتي وأولادي بعد اعتقالي مباشرة، وكانت في سجن العقرب، وهناك تتم الزيارة عبر حاجز زجاجي شفاف يفصل بين المسجون وعائلته، ويتم التواصل عبر سماعة هاتف مراقب من السلطات، وأثناء الزيارة أصيب ابني الصغير بنوبة بكاء هستيرية بسبب منعه من السلام علي واحتضاني، ورغم صعوبة الموقف كان الضباط يظهرون الشماتة فيَّ لعدة أيام ويذكرونني مرارا هذا الموقف.

هل حدثت مناقشات بينك وبين الضباط في فترة الاعتقال؟ وهل هم مقتنعون بما يفعلونه؟

لم تحدث مناقشات مباشرة إلا نادرا بيننا وبين الضباط إلا أثناء التحقيق في الأمن الوطني أو في آخر فترة الاعتقال داخل سجن المزرعة، وللأمانة في سجن المزرعة كان ضباط الشرطة محترمين جدا، وكانوا يعاملوننا بصورة مهذبة وآدمية، وصارحنا بعضهم أكثر من مرة بأنه يعلم أن قضيتنا ملفقة، حتى إن أحدهم قال لي في إحدى المرات "هذه القضية سمك لبن تمر هندي".

 كيف استقبلت قرار السيسي بالعفو عنك؟ وهل كنت تتوقع ذلك؟

 
لم أكن أتوقع أن يصدر السيسي قرارا بالعفو عني، وهناك شخصيات كثيرة دعتني لتقديم طلب للسيسي للعفو عني وإخراجي من السجن، لكني رفضت ذلك بشدة، لأن طلب العفو يُعد اعترافا ضمنيا بارتكاب جريمة، وأنا لم أرتكب أي جريمة حتى أعاقب عليها بالسجن، وكل ما جرى لي ولزملائي الصحفيين كان ظلما.

ودعني أؤكد لك أن هذا العفو ليس منة من السيسي، بل جاء نتيجة ضغط قوي وحملة تضامن كبيرة أطلقتها شبكة الجزيرة، وشارك فيها صحفيون وحقوقيون ودول مختلفة دفاعا عن حرية الصحافة، وأنا شخصيا منبهر بحملة التضامن التي وحدت صحفيين يعملون في مؤسسات صحفية كبرى حول العالم.

صف لنا شعورك لحظة إغلاق أبواب الطائرة التي أقلتك خارج مصر؟ ولماذا استوقفتك السلطات في مطار القاهرة؟

شعرت براحة نفسية كبيرة فور إقلاع الطائرة من مطار القاهرة، حيث شعرت للمرة الأولى منذ فترة طويلة بالحرية وعدم الخوف وبأن الملاحقات الأمنية انتهت

شخصيا لا أعرف لماذا تم إيقافي في مطار القاهرة، كل ما حدث أنهم اقتادوني لمكتب الأمن الوطني بالمطار، وهناك قالوا إنني ممنوع من السفر، وبعد إقلاع الطائرة قالوا لي الآن يمكنك السفر، وليس هناك ما يمنع سفرك لأي مكان، فقمت بالحجز في الرحلة التالية.

ولا أخفيك سرا أنني شعرت براحة نفسية كبيرة فور إقلاع الطائرة من مطار القاهرة، حيث شعرت للمرة الأولى منذ فترة طويلة بالحرية وعدم الخوف، وبأن الملاحقات الأمنية انتهت، ومع ذلك شعرت بالحزن لأنني اضطررت لمغادرة مصر رغم حبي الكبير لها، وأدعو الناس لأن تفرق بين مصر والنظام القمعي الذي يحكمها الآن.

لنعد بالذاكرة إلى أيام السجن، ما المشهد أو الحادثة أو القصة التي سمعتها في السجن وما زالت عالقة برأسك؟

عدة مشاهد، أولها عندما زارتني زوجتي لأول مرة، وكانت قوية جدا وصلبة، لكني رأيت الضعف والخوف في عينها، ولم أستطع أن أواسيها حتى لا نظهر ضعفا أمام السجانين، ولأنني كنت أتحدث إليها من خلف حاجز زجاجي.

والموقف الثاني كان عندما زارتني زوجتي بعد شهر من ولادتها لهارون أصغر أبنائي، وكانت المرة الأولى التي أراه فيها، وكنت في وضع صعب جدا، هل أكون أنانيا وأعطي حبي واهتمامي لطفلي الذي أراه للمرة الأولى بعد شهر من ولادته؟ أم أعطي هذا الاهتمام لزوجتي التي تعبت معي كثيرا منذ اعتقالي وكانت وحيدة لحظة الولادة؟

أما الموقف الثالث فكان عندما علمت بوفاة جدتي، وكنت حزينا جدا لأنني لم أستطع رؤيتها منذ فترة طويلة، ولأنني حرمت الصلاة عليها والمشاركة في جنازتها.

بعد أكثر من عام في السجن كيف تنظر وتخطط لحياتك المستقبلية والمهنية؟

أنا حاليا بحاجة للراحة والهدوء وإعادة ترتيب الأوراق بعد هذه التجربة الصعبة، لكن بكل تأكيد سأواصل عملي كصحفي، و437 يوما قضيتها في السجن زادت من حبي وعشقي لمهنتي المفضلة، وسأكرس حياتي للدفاع عن الصحفيين المعتقلين سواء في مصر أو خارجها، لأنه لا يعقل أن يلقى بالصحفيين خلف القضبان.

سأدافع عن محمود شوكان وعبد الله الفخراني وسامحي مصطفى ومحمد العادلي وغيرهم من الصحفيين لأنهم يستحقون الحرية.

 أخيرا، كيف ترى مستقبل العمل الصحفي في مصر في ظل اعتقال 100 صحفي وهروب عدد كبير من المراسلين الأجانب؟

طالما هناك صحفي واحد خلف القضبان في أي بلد فهذا يعني أنه لا توجد حرية للصحافة في هذا البلد، ومع ذلك أبشر النظام المصري بأنه لن ينجح هو أو غيره من النظم القمعية في تخويف الصحفيين مهما استخدم من إرهاب وقمع.

المصدر : الجزيرة

التعليقات