يعتقد الأكاديمي الفلسطيني مهدي عبد الهادي أن المجتمع الإسرائيلي بغالبيته الساحقة بات متطرفا ومتنكرا للحق الفلسطيني، وهو ما يسهل على نتنياهو تشريع قوانين عنصرية ضد الفلسطينيين والاعتداء على مقدساتهم، وهو ما فجر هبّة القدس بأيدي الشباب دون توجيه من أحد.

أسيل جندي-القدس المحتلة

شكلت جريمة حرق عائلة دوابشة شرارة لتصاعد الهبة الشعبية ضد الاحتلال، ولحق ذلك اشتباكات ومواجهات مع قوات الاحتلال في أكثر من مكان في الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس.

ومع حلول موسم الأعياد اليهودية هذا العام، زادت حدة الاعتداءات على المسجد الأقصى والمواجهات بين المرابطين وشرطة الاحتلال، لتشكل رافدا آخر لارتفاع مستوى الاشتباكات التي وصلت ذروتها في عملية نابلس، حيث قُتل مستوطنان.

وتلتها مباشرة عملية الشهيد مهند الحلبي التي قتل فيها مستوطنان أيضا في القدس القديمة، لتدخل بعدها الأجهزة الأمنية الإسرائيلية في حالة هوس، مسهلة لعناصرها وللمستوطنين إطلاق النار على الفلسطينيين، في مشهد يصفه المقدسيون بـ"حرب الشوارع".

مقتل إسرائيليين وجرح 18 في عملية إطلاق نار داخل حافلة إسرائيلية (وكالات)

مدينة أشباح
يقول رئيس الأكاديمية الفلسطينية للشؤون الدولية مهدي عبد الهادي، إنه يمكن إطلاق اسم "مدينة الأشباح" على القدس في الوقت الحالي، فالإضراب التجاري يعم الأسواق، والمستوطنون يتجولون في الشوارع والأزقة ويرددون عباراتهم الدينية المتطرفة بصوت صاخب، وثقافة الخوف والغضب والانتقام هي المظلة التي تحكم مناخ القدس حاليا.

وفي قراءته للأسباب التي أوصلت الفلسطينيين عامة والمقدسيين خاصة للوضع الحالي، قال عبد الهادي، إن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو شكل مساحة واسعة من العداء والكراهية للشعب الفلسطيني، انتشرت في 95% من المجتمع الإسرائيلي الذي يرفض بشكل حازم تفهم الحق الفلسطيني.

وتابع "انتقل نتنياهو بعدها لاستخدام أدوات القانون، بفرض قوانين عنصرية بإجماع صهيوني في الكنيست عليها، فنفذ سياسة القتل بدم بارد للأبرياء، وعدم محاكمة المستوطنين ممن أحرقوا أطفالا أحياء بالرغم من التعرف عليهم، بالإضافة لهدم المنازل والاعتقالات الإدارية، وأخيرا إطلاق العنان للمستوطنين، وأيده بذلك رئيس البلدية الإسرائيلي العنصري الذي حث الإسرائيليين على حمل سلاحهم، أي تشريع القتل بدم بارد".

وتطرق عبد الهادي لاعتماد نتنياهو على 29 مستوطنا كأعضاء في الكنيست، وعلى 12 وزيرا من المستوطنين في الحكومة، لتطبيق نظام عنصري هش لا يوجد فيه ولاء إلا لعقيدة القتل، ولا لبرنامج سياسي سوى المصلحة السياسية.

اقتحام المستوطنين الأقصى بحماية الاحتلال فجّر غضب الفلسطينيين (الجزيرة)

سيطرة عسكرية
وأضاف عبد الهادي للجزيرة نت أن نتنياهو "دخل لبعد آخر وهو الأخطر بفتح ملف الأقصى، بمعنى تشويه الزمان وتغيير المكان وإقصاء الإنسان، حتى وصل الأمر لمطالبة وزيرة الثقافة الإسرائيلية ميري ريغيف بمنع الأذان في الحرم القدسي الشريف، فهم لم يكتفوا بإغلاق الأبواب وتكسيرها وإقصاء المتعبد عن المسجد وحرمان المسلم من مواقيت الصلاة الخمسة، بل نشهد اليوم سيطرة عسكرية فعلية على المكان".

ولم تكتف الحكومة الإسرائيلية بما سبق بل تعدت ذلك -بحسب عبد الهادي- لفتح الباب لـ650 ألف مستوطن بالضفة الغربية ومئتي ألف مستوطن بالقدس لـ"أسرلة" وتهويد المدينة، مما خلق مناخا يسوده الاحتقان والغضب لدى الشباب الفلسطيني، وحراكا لشباب يعيش أزمة ويرفض أن يكون غده مهزوما.

اعتداءات جنود الاحتلال على المصلين داخل المسجد الأقصى أشعل هبّة القدس (الجزيرة)

لغة السلاح
وأضاف "من أجل البقاء والدفاع عن الذات شهدنا حراكا عفويا تلقائيا فرديا ملتصقا بالقدس والأقصى الذي أصبح رمز هوية الشباب وعقيدته ووطنيته وخطابه، فلم يجد الشباب لا قيادة ولا رؤية ولا دعما من أحد، وهنا برز الحراك بدافع شخصي".

وتابع عبد الهادي "يرى المقدسي أمامه تزويرا للرواية التاريخية وإغلاقا للأقصى أمامه، بالإضافة لاقتحامات مسلحة وإبعاده عن المكان بقوة السلاح، هذه المجابهة تقول إن الفلسطيني نهض لكرامته وكبريائه، فهو يرفض البيانات لأنه لا ولاءات ولا ثقة بأحد، ولا يستنسخ الشباب تجربة أحد فهذا جيل يقرر حراكه وحده في المكان والزمان، من أجل غد أفضل من اليوم المأزوم والمهزوم".

وحول الإجراءات التي يمكن أن تتخذها إسرائيل بعد الهبّة الشعبية ضد سكان القدس للتضييق عليهم ونشر الرعب بينهم، قال عبد الهادي إن ثماني سنوات من حكم نتنياهو اتسمت بالقمع والقوانين العنصرية، فمهما تحرك الفلسطيني من أجل غد أفضل هناك عنصرية تحكم حراكه بالضرائب وهدم المنازل وبالتهديد بسحب حقه في الإقامة والتنقل والعمل.

المصدر : الجزيرة