كان ابن مدينة القدس الشهيد مصطفى الخطيب يحلم -بعد إنهاء دراسته الثانوية هذا العام- بأن يلتحق بجامعة ألمانية لدراسة الهندسة، إلا أن الاحتلال الإسرائيلي أنهى حياته وأحلام أسرته بأربع رصاصات استقرت في رأسه ورقبته.

أسيل جندي-القدس المحتلة

منذ 17 عاما وحتى صبيحة يوم أمس، واظبت ميساء والدة الشهيد المقدسي مصطفى عادل الخطيب على رعاية فلذة كبدها، منذ الصرخة الأولى التي أطلقها معلنا قدومه للحياة إلى أن قرر الاحتلال وأد أحلام الشهيد مصطفى وأسرته بالرصاص الحي.

مصطفى الطالب في الثانوية العامة بمدرسة الإبراهيمية في القدس، كان يحلم -بعد انتهاء العام الدراسي- بالسفر إلى ألمانيا والالتحاق بإحدى جامعاتها لدراسة الهندسة الميكانيكية أو تخصص إدارة المستشفيات، لكن أربع رصاصات أُطلقت عليه أردته شهيدا في لحظات.

ميساء الخطيب: بعد سماعي باستشهاد مصطفى عجزت لساعات عن الوقوف (الجزيرة)

قتل وترهيب
تتحدث ميساء الخطيب عن ابنها الشهيد قائلة "بعد سماعي للخبر بقيت ساعات غير قادرة على الوقوف، خطفوا ابني البكر مني، ومع هذا اقتحموا المنزل واقتادوني لمركز التحقيق بالمسكوبية، وهناك انهال المحقق علي بوابل من الأسئلة، وبعدما أنهاها سألني هل بقي شيء لم أسألك عنه بخصوص مصطفى؟ أجبته نعم، بقي أن تسأل عن موعد دخوله لدورة المياه وخروجه منها".

أما الوالد الذي تسيطر عليه حالة من الهدوء والثبات، فقال "تلقيت اتصالا من المدرسة يُفيدني بأن مصطفى أوصل أخته للمدرسة لكنه لم يدخل، قلقت عليه كثيرا وقررت التوجه للشرطة حتى أعرف مكان ابني، خشيت أن يتجول دون هويته الشخصية لأنه نسيها في السيارة، وقد يعرضه ذلك للخطر في ظل الأوضاع الراهنة".

 والد الشهيد الخطيب: الاحتلال قتل ابني بدم بارد (الجزيرة)

اللقاء بالمشرحة
وتابع "بمجرد دخولي مركز الشرطة بدأ التحقيق معي ونقلي من غرفة لأخرى ومن محقق لآخر، ثار غضبي وقلت لهم دعوني أتعرف على الجثة، وإذا كانت لابني سأتعاون معكم بالتحقيق، تم بعدها نقلي للمسكوبية ومن هناك لمشرحة أبو كبير، وتعرفت بالفعل على جثة مصطفى".

ويؤكد الوالد رواية الشهود العيان بأن الاحتلال أقدم على إعدام مصطفى بدم بارد، وقال "لو كانت الشرطة تنوي اعتقاله مثلا لما أقدمت على إطلاق أربع رصاصات عليه، اثنتين بالرقبة واثنتين بالرأس. إطلاق النار بهذه الطريقة يؤكد نية التصفية، وعندما رأيته في المشرحة كان بقية جسده خاليا من أية رصاصة سوى تلك الأربع".

وفاء الشيخ خالة الشهيد تقول "أسكن بحي رأس العمود، سمعت صباحا صوت سيارات الشرطة تهرع لمنطقة باب الأسباط وشعرت بالقلق، وبعد الحادث بنصف ساعة جاء زوجي وسألني هل يربي مصطفى لحيته مؤخرا؟ أُصبت حينها بانهيار وهاتفت والدته فورا، وقالت لي لا تكذبي عليّ، مصطفى استشهد أليس كذلك؟".

وأردفت قائلة "كانت ولادة مصطفى متعسرة، وأتذكر أن الطبيب خيّر والده بين الأم أو الجنين، لكن الله شاء أن يبقى الاثنان على قيد الحياة، فولادته عسيرة ورحيله مؤلم وحارق".

 غرفة الشهيد مصطفى الخطيب في جبل المكبر بمدينة القدس (الجزيرة)

رحيل الابتسامة
وتستذكر خالة الشهيد اللحظات التي عاشتها مع ابن شقيقتها قائلة "لن تلد الأمهات كمصطفى الذي يشهد له سكان القدس بالأخلاق العالية والإسراع لخدمة الصغير قبل الكبير. كانت الابتسامة لا تفارق وجهه وجميع من يجلس معه يتحول تلقائيا لإنسان مبتسم ومرح، وها هو يرحل لنُحرم بقية عمرنا من الابتسامة والفرح".

أما الطفل عبد القادر علان (11 عاما) الذي رحل والده عن الحياة فجأة ليكبر هو وشقيقه أحمد وحيدين مع أمهما، فكان يرى في جاره الشهيد مصطفى أبا وأخا يعوضه حنانا ويسانده بشكل دائم.

يقول عبد القادر "لم نطلب أنا وأخي شيئا من مصطفى إلا جلبه لنا، يساعدنا في كل شؤون حياتنا ويحل مشكلاتنا، لذا عندما سمعت بخبر استشهاده عندما كنت بالمدرسة لم يخطر ببالي للحظة أنه مصطفى جاري، لا يمكنني وصف حزني أبدا".

سيعود الشهيد مصطفى الخطيب لمنزله محمولا على الأكتاف وسط هتافات الشباب وزغاريد النساء، لكن ليس قبل مماطلة جهاز المخابرات في تسليم الجثمان وفرض قيود على العائلة بهذا الشأن.

المصدر : الجزيرة