شدد القيادي الفتحاوي عباس زكي على أن التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي جريمة، وأكد أن الواقع تجاوزه، وأن منظمة التحرير شكلت لجنة لمراجعة العلاقة مع الاحتلال وفك الارتباط به. واعتبر ما يجري في فلسطين هبّة لا انتفاضة لغياب القيادة الموحدة.

حاوره: عوض الرجوب-رام الله


وصف عضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي بأنه جريمة، نافيا أي وجود له في هذه المرحلة.

وقال زكي -القيادي في حركة فتح، والمفوض العام للعلاقات العربية وللعلاقات مع جمهورية الصين الشعبية -في حوار مع الجزيرة نت- إن لجنة تعدّ خطة للانفكاك عن الاحتلال في الأيام المقبلة.

وفيما يأتي نص الحوار:

بداية، ما قراءتكم في حركة فتح لما يدور في الضفة الغربية والداخل الفلسطيني؟

نظرا لأن المشهد دام منذ عام 2000 وحتى اليوم، فإن الشعب الفلسطيني يعيش في ظروف استثنائية وقاسية. وفي حين يستطيع الساسة ضبط أعصابهم من خلال الاتصالات السياسية وغيرها، فإن الشباب الصغار لا يقبلون سياسة العبيد، ولا سياسة الحواجز والإذلال، ولا سياسية حرق الأطفال.

المشهد الدامي الذي عاشه هذا الجيل فرض عليه الخروج والمبادرة لرد الاعتبار لذاته، كي يعيشوا كما يعيش شباب العالم الآن، بعد أن عجزت القيادات عن تحقيق السلام.

إسرائيل ببلوغها الذروة في التطرف ورعاية هجوم المستوطنين على الأقصى -الذي لا شراكة ولا تقسيم له، وهو خاص بالمسلمين- أوصلتهم إلى حرق كل ما يقع في أيديهم من شجر وبيوت في القرى النائية.

هذه الحملة أرادها الإسرائيليون اليوم لأن المنطقة مقبلة على تسويات، ويريدون أن يفوزوا بدولة للمستوطنين في الضفة، ويؤكدوا على شعارهم يهودا والسامرة وشعار الموت للعرب.

هناك وزراء إسرائيليون يقولون "لا للدولة الفلسطينية"، ويريدون التمرد على العالم وعلينا في نفس الوقت. وهذا أصبح واضحا، وعليه لا تعايش مع هذا الجلاد إلا بانسحابه الكامل، ولن يكون الموقف الفلسطيني الذي فشل في تحقيق السلام مقتنعا بعلاقة مع إسرائيل.

بماذا يمكن أن تصف ما يجري. انتفاضة أم هبّة أم ماذا؟

هي هبة، لسبب واحد، هو عدم وجود وحدة فلسطينية، وقيادة موحدة تصدر بيانا واحدا. الانتفاضة تنطلق بقيادة موحدة وفعاليات موحدة. يجب ألا يرسل الأطفال فقط إلى الحواجز ليقتلوا بالرصاص، بل على الآلاف وعشرات الآلاف أن يغلقوا الشوارع العامة ليشعِروا العالم بأن هناك شعبا تحت الاحتلال.

انظر إلى مدينة سخنين في الداخل الفلسطيني. كان يجب أن يكون معظم الثقل الفلسطيني في مسيرات شعبية سلمية توقف حركة الاستيطان وخاصة في الشوارع التي تؤدي إلى المستوطنات، ولا بد أن يشعر الاقتصاد الإسرائيلي بذلك وبطرق سلمية. الفلسطيني هو الضحية، ويجب أن نُشهد العالم على ذلك، وعلى ممارسات الاحتلال الذي يقتل الأطفال في إعدامات ميدانية.

لماذا لا يتكرر مشهد سخنين في الضفة؟

هناك إرباك واضح في القيادة. فالقيادة الوطنية حتى الآن لم تصل إلى مرحلة ترتيب أوضاعها وتستشعر الخطر واللحظة، وإن كان عملها على المستوى الدولي ناجحا من خلال الرئيس محمود عباس.

الاهتمام بالجبهة الداخلية كان يتطلب جهدا أكبر، وأن يكون كل شعبنا الفلسطيني منخرطا فيه، لا مجموعة معينة فقط هي التي تُشغل بعضا من وقت الاحتلال وتعود بالرصاص. يجب وضع برنامج يحدد مثلا يوما للأطباء وآخر للمحامين، وهكذا مع كل فئات الشعب وبفعاليات متدرجة وشعارات موحدة يرفع فيها فقط علم فلسطين.

كل خطابات ومنابر العالم يجب أن تشعر أن في فلسطين مشكلة، وأن هناك احتلالا لا بد أن يزول، وأنه لم يعد هناك إمكانية لتسوية، بينما من أطلقوا شعار "الموت للعرب" و"يهودا والسامرة" و"أرض الميعاد" يواصلون ارتكاب الجرائم. هذه عوامل تدفعنا لإعادة النظر في الاعتراف المتبادل بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل.

ما الخيارات المطروحة أمام حركة فتح وكيف تتعامل مع هذه الهبّة؟

خيار فتح المركزي والرئيسي هو أن لا يكون احتلال دون كلفة، وسلطة دون سلطة. وفي هذا السياق فإن فتح موجودة وتتصدى للاحتلال، لكنها تحتاج إلى مستوى أعلى من القيادة الفلسطينية، خاصة أننا مقبلون على ترتيبات منظمة التحرير، وهذا يتطلب تحضيرات جيدة واختبارا ميدانيا وأخلاقيا وسياسيا، فهذه المرحلة بعد 22 عاما على أوسلو طويت ونتائجها باتت واضحة.

آن الأوان لوضع إستراتيجية جديدة في مواجهة مداهمة العدو لنا، ومحاولاته قطع الطريق على ترتيب فلسطيني شامل يفترض أن نتحدى إسرائيل به.

لا بد من إيصال الرسالة للعالم وخاصة أوروبا. فإسرائيل تقيم الآن معارض في العالم عن السكاكين، وعلينا أن نقود حركة في الخارج، كي لا يبقى العالم مخدوعا بفبركات الاحتلال في ظل تحريض ارتفع 400%، وكراهية للفلسطينيين والعرب تأصلت في نفوس من يريدون ذبح كل العرب لمجرد الشبهة ودون تهمة.

من هنا، فقد آن الأوان لأن يُردَع هذا العدو من خلال موقف جماهيري صلب. وبالتالي لن تسمح فتح بضياع الوقت ولا القضية، بل هي ماضية إن شاء الله في ترتيب أوضاعها، وتدعو كل من له حمية أن يتجاوز همّ الفصيل إلى الهمّ الفلسطيني العام.

ظل التنسيق الأمني مثار جدل ومحل اتهامات فلسطينية متبادلة، أين هو الآن؟

نعم التنسيق الأمني جريمة، لا يوجد تنسيق أمني كما أعرف. هذه الأسطوانة تبقى حتى يعلن فك الارتباط الكامل عن الاحتلال.

التنسيق جزء من العلاقة الاقتصادية، والآن هناك لجنة لوضع آليات الانفكاك، وبالتالي ستكون قريبا -خلال أيام إن شاء الله- نتائج إيجابية.

يدور الحديث عن ضغوط على القيادة الفلسطينية لوقف الحراك الشعبي، ما شكل هذه الضغوط؟

هناك ضغط عالمي خاصة من الولايات المتحدة وأصدقائها في المنطقة للتهدئة. أما نحن فنجيبهم: "نحن أم هم من سلح الشعب. نحن سحبنا السلاح من الشعب، وإسرائيل تواصل تسليح المستوطنين"، وهذا لم يعد ينطلي على أحد.

أي عمل فيه شراكة حقيقة يولّد إقناع الناس بوجود مستقبل. لا يمكن أن تستمر إسرائيل في إشعار العالم بأنها ضحية المحرقة، وفي ذات الوقت تقوم بحرق الفلسطينيين كما عائلة دوابشة.

فالإسرائيليون لم تهدم بيوتهم ولم تحرق، ومع هذا يتمتعون بميزة عند أميركا وبعض العرب والأوروبيين. آن الأوان لكشف وجوه من يتعاونون مع إسرائيل ويغطون جرائمها.

هل من اتصالات لمحاولة العودة إلى المفاوضات؟

هناك محاولات، لكن لماذا إعادة تجربة 22 عاما. الوضع لا يطاق، بالتالي أي عودة للتهدئة يجب أن تضمن مستقبل شعبنا. القمع يطال إخواننا في الداخل، والخطر -إذا بقيت إسرائيل في هذه الحال- سينتشر في أنحاء المعمورة.

المصدر : الجزيرة