سيد أحمد الخضر

تصفير المشاكل والتوازن بين الديمقراطية والأمن مثّلا أهم المبادئ الستة لنظرية البروفيسور أحمد داود أوغلو حول "العمق الإستراتيجي.. موقع تركيا ودورها في الساحة الدولية".

لكن أوغلو الذي دفع به التنظير الأكاديمي إلى قيادة دبلوماسية تركيا ثم إلى رئاسة حكومتها، قد لا يسعفه الواقع في الدفاع عن أطروحاته في ظل الإكراهات الإقليمية وتنامي الهجمات المسلحة في عمق البلاد.

وبعد أن كانت أنقرة قاب قوسين من تحقيق سلام مع أكرادها ووقعت أزيد من خمسين اتفاقية تجارية مع محيطها، باتت اليوم -رغما عنها أو بإرادتها- خصيما لعدة أنظمة في المنطقة وهدفا لتنظيمات مسلحة، مما يذكي الاستقطاب السياسي الداخلي ويهدد النموذج الديمقراطي والاقتصادي الأبرز في الشرق الأوسط.

في العام الماضي نشر المحلل السياسي بمعهد واشنطن للشرق الأدنى سونر جاغابتاي كتابا بعنوان "تركيا الصاعدة.. القوة الإسلامية الأولى في القرن الحادي والعشرين".

يركن جاغابتاي في طرحه إلى أن تركيا باتت مكانا أكثر جذبا للاستثمارات الأوروبية والأجنبية بفضل استقرارها السياسي النسبي وتنويع شركائها التجاريين واكتشاف أسواق جديدة وزيادة رأسمالها الإسلامي.

أردوغان (يمين) شدد غير مرة على شرعية المقاومة الفلسطينية وعدالة الثورات العربية (رويترز)

الدول المزدهرة
وعلى مدى 13 عاما، دفع حزب العدالة والتنمية تركيا إلى مصاف الدول الأكثر ازدهارا، وتحولت البلاد من مدين للبنك الدولي إلى دائن له، بينما تمكّن الرئيس رجب طيب أردوغان من انتشال القضاء من وحل السياسة وتحييد العسكر عن شؤون الحكم.

لكن سونر جاغابتاي عاد اليوم ليقول في تصريح لنيويورك تايمز حول تفجيري أنقرة إن تركيا تواجه تحديات، وإن ذلك الصعود أبعد مما يبدو.

بالنسبة لبعض المحللين والمراقبين فإن أنقرة بدأت تدفع ثمن مؤازرتها للمقاومة الفلسطينية ومطلب الشعوب العربية التي أغوتها إنجازات العثمانيين الجدد وفلسفتهم في "تناغم الديمقراطية والإسلام".

وبات جليا أن إكراهات الجغرافيا وإملاءات التاريخ جعلت تركيا خصما لأنظمة إقليمية مختلفة وإن بمستويات متباينة، منها إيران وسوريا ومصر والعراق، وموطن ريبة بالنسبة لأقطار عربية كثيرة يرهبها نموذج الاحتكام إلى الصناديق.

وبينما تستضيف تركيا نحو مليوني لاجئ سوري وتصر على رحيل بشار الأسد، ترفض الاعتراف بشرعية النظام المصري الحالي المتمخض عن انقلاب 3 يوليو/تموز 2013 الذي أجهض أول تجربة ديمقراطية في البلاد.

وفي ظل دعمها للثورة السورية ورفض إجهاضها في مصر وسوريا والعراق واليمن، باتت تركيا في المحصلة خصما لإيران التي تتوق هي الأخرى إلى زعامة المنطقة، وتدافع بكل الوسائل عن حلفائها وأجنحتها.

لكن المفارقة لا تبدو في الصدام مع "الولي الفقيه الإيراني" ولا في مواجهة "الرجعي العربي"، وإنما في ما يُزعم من تخلي الغرب عن أنقرة مقابل التسليم بمحورية دور طهران في المنطقة.

أوغلو وضع نظرية سياسية تقوم على استتباب الأمن وازدهار الاقتصاد عبر تصفير المشاكل مع الجوار (غيتي)

وضع حرج
تذهب بعض التحليلات إلى أن القوى الدولية تتوجس من النموذج الديمقراطي التركي، وأنها ما تزال تفضل الاستثمار في الرجعية وخنق الحرية في العالم العربي، مما جعلها تتخلى عمليا عن تركيا بعد تأييدها للربيع العربي و"توريطها" في الحرب على الإرهاب.

وسواء صدقت هذه التحليلات أم كذبت، فإنه من الثابت أن تركيا تعيش وضعا سياسيا حرجا في الخارج، واستقطابا حزبيا وعرقيا حادا في الداخل، قبيل أيام من انتخابات برلمانية مبكرة تجري مطلع نوفمبر/تشرين الثاني المقبل وتشكل اختبارا جديدا لشعبية حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وإذا كان التورط والتوريط الخارجيان يستندان إلى مواقف سياسية تجسد "نزعة القيادة" لدى أردوغان ورفاقه، فإن الاستقطاب الداخلي له أكثر من رافد ويتعزز يوما بعد يوم ليضع تحديات أمام استباب الأمن وازدهار الاقتصاد.

وفي ندوة سابقة بمعهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، قال السفير الأميركي السابق في أنقرة إن الحكومة التركية باتت ضحية لنجاحها، "فغالبية الناخبين الذين جاؤوا بحزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم أصبحوا يشكلون جوهر الطبقة الوسطى الجديدة في البلاد".

وبالتوازي مع انفراط عقد السلام مع الأكراد والتوجس من تمكنهم من إقامة كيان في سوريا وشن تنظيمات مسلحة هجمات دامية في تركيا، يتعرض "العثمانيون الحداثيون" لانتقادات لاذعة وسط مزاعم بتوظيف نجاحهم السياسي والاقتصادي في الهيمنة على كل مناحي الحياة.

ويتهم أردوغان بالسطو على حرية الصحافة واستهداف بعض رجال الأعمال بدوافع حزبية وتوظيف شعبيته في تكريس نفسه إمبراطورا أو خليفة جديدا للمسلمين، وهو بالطبع ما يرفضه أردوغان ومؤيدوه.

المصدر : الجزيرة