لم يبق منها سوى الأطلال ولكن أبناءها يعملون جاهدين على إعطائها حقها وتكريمها، إنها مدرسة قيهان في كردستان العراق التي تأسست قبل سبعة قرون واستمرت منهلا للعلم حتى النصف الثاني من القرن العشرين، وتعاني اليوم الإهمال وخطر الاندثار.

العمادية-الجزيرة نت

بعد سبعة قرون من تأسيسها، تنتظر أطلال مدرسة قبهان في إقليم كردستان العراق من يوليها بعض الاهتمام ويرمّمها احتراما لتاريخها وللخدمات التي قدمتها للأمة الإسلامية عبر تاريخها الطويل.

تقع المدرسة في قضاء العمادية على بعد 70 كلم من مدينة دهوك عاصمة محافظة دهوك في كردستان العراق.

ويقول المؤرخون إن هذه المدرسة كانت في وقت من الأوقات قبلة الدارسين في المنطقة، ولعبت دورا كبيرا في نشر العلوم والمعرفة، حيث كانت بمثابة جامعة يقصدها الطلاب من تركيا وإيران والعراق.

أولاها السلاطين الذين حكموا إمارة بادينان التاريخية اهتماما خاصا، ويقال إنها في وقت من الأوقات كانت تضاهي جامعة الأزهر.

تخرج منها أجيال من العلماء الذين خدموا الدولة الإسلامية في العهد العثماني، ولعل أبرزهم أبو السعود العمادي الذي شغل منصب مفتي الدولة العثمانية في عهد السلطان سليمان القانوني لمدة ثلاين عاما.

حامد كان ضمن آخر دفعة تخرجت من المدرسة الجامعية قيهان (الجزيرة نت)

آخر دفعة
يقول مصطفى طه حامد من مواليد عام 1942 وكان ضمن آخر دفعة درست في المدرسة "تأسست هذه المدرسة قبل حوالي 700 عام في زمن السلطان حسين الثاني، ابن الأمير حسن، الذي كان يحكم العمادية في ذلك الوقت وكانت المدرسة تستقبل الطلاب النجباء من 84 مدرسة دينية موزعة في مناطق مختلفة من العراق والشام وتركيا".

ويبين حامد أن الذين درسوا في هذه المدرسة كانوا يتلقون علوما مختلفة منها "علوم نقلية وعلوم عقلية أي العلوم الدينية مثل علوم القرآن والشريعة إلى جانب العلوم الدنيوية مثل الفلسفة والحساب والهندسة والطب والفلك، وكان الطلاب يأتون إليها من أنحاء مختلفة ويتلقون أنواعا من العلوم، وكان لها دور كبير في المنطقة، فقد كانت منبرا لنشر الثقافة والتطور والعلوم وأعطت العمادية شهرة واسعة بانفتاحها واستقبالها الطلاب من إيران وتركيا والعراق وسوريا أيضا".

من جهته أكد أحمد محمد شكري المفتي، وهو ابن آخر مفتي كان يدير هذه المدرسة، وهو من مواليد 1934، أنه "كانت لهذه المدرسة هيبة كبيرة لدى الناس، وهي تتكون من أكثر من خمس غرف كانت تسمى حجرات للفقهاء الذين كانوا يدرسون فيها، وكانت تقابل الأزهر في ذلك الوقت وتزاول دور الجامعة في الوقت الحالي، والمتخرجون منها ينالون الإجازة العلمية من مفتي العمادية، وكانت الدورة الأخيرة تتكون من عشرة طلاب".

وأوضح أن المدرسة قد أُهملت بعد الانقلاب الذي قام به عبد الكريم قاسم في العراق عام 1958 ضد الحكم الملكي، وقال "بعد الانقلاب انقطع الدعم عن المدرسة كما أن الطلاب أيضا تفرقوا وانسحبوا خوفا على أنفسهم، ثم أهملت المدرسة بعد ذلك حتى صارت مجرد أطلال وآثار في هذه الأيام".

سلطات الإقليم تعهدت بالاهتمام
ببقايا المدرسة العريقة
 (الجزيرة نت)

صرح حضاري
وعاتب المفتي الجهات المعنية في حكومة إقليم كردستان على الحالة التي وصلت إليها مدرسة قبهان، داعيا إياها إلى ضرورة ترميم هذه المدرسة، التي كانت صرحا حضاريا ومعلما دينيا في المنطقة.

وذهب حامد نفس المذهب وقال "من المؤسف أن نرى صرحا مثل مدرسة قبهان يندثر أمام أعيينا ونحن نتفرج عليها، وأدعو كل المعنيين لضرورة ترميم هذه المدينة لأنها تمثل إرثا تاريخيا، كما أنها ستكون علامة مميزة في المنطقة لجذب السياح إليها".

يذكر أن مديرية آثار دهوك أولت عناية في السنوات الأخيرة بالمعالم الأثرية الموجودة في قضاء العمادية، بحسب قول مدير آثار دهوك حسن أحمد، الذي بّين للجزيرة نت أنهم قاموا خلال الفترة المنصرمة بصيانة بعض المواقع الأثرية في مدينة العمادية مثل مقبرة الأمراء ومعبد الزرادشتيين.

أما بخصوص مدرسة قبهان، فقال إن وفدا من وزارة البلديات قد زار موقع المدرسة الأثري الذي يقع على نهر العمادية القريب من مصيف سولاف، وأصدر قرارا بترميم هذا الموقع الأثري الهام".

المصدر : الجزيرة