عماد عبد الهادي-الخرطوم

لم تعد ندرة العمالة الفنية المدربة في السودان محل شكوى أقطاب الصناعة والبيوت التجارية لوحدها، بل دقت بعض المؤسسات الحكومية جرس إنذار لما آل إليه التعليم في هذا القطاع وطالبت باتخاذ ما يمكن أن يساهم في إنعاشه.

وتشكل هجرة العمالة السودانية المؤهلة والمدربة مع تدهور مريع للتعليم الفني -وفق متابعين- مصدر قلق ظل يتنامى يوما بعد آخر في البلاد.

وبرغم تزايد الجامعات والمعاهد العليا السودانية فإن الاهتمام بالتعليم الفني كما يقول هؤلاء المراقبون لا يتعدى 5% مما يجده نظيره الأكاديمي، وهو ما دفع بعض المؤسسات والشركات والمصانع إلى استيراد عمالة أجنبية رخيصة لا تشكل عبئا ثقيلا عليها.
 
وكانت وزيرة العمل والموارد البشرية إشراقة سيد محمود قد أعلنت أن نسبة حملة الشهادات الفنية في قوة العمل الحالية لا تتعدى 1%، معتبرة ذلك مؤشرا خطيرا يحتاج إلى إنعاشٍ عاجل للتعليم الفني بالبلاد. 
 
وقف مدارس
أما مدير التعليم الفني في وزارة التربية والتعليم محمد ميرغني محمد الصافي فقد قال إن تطبيق النظام الفدرالي منذ عام 1992 جعل أمر هذا التعليم من اختصاص الولايات، مشيرا إلى أن حكومات تلك الولايات عملت على تجفيف أكثر من 47 مدرسة صناعية وحولت مبانيها إلى أغراض أخرى.

محمد ميرغني أشار إلى مشاريع طموحة لدعم التعليم الفني (الجزيرة نت)

وأشار إلى وجود مشاريع طموحة لدعم التعليم الفني وفق خطة تبدأ من العام الحالي وحتى عام 2020 بتمويل من بنك التنمية الأفريقي بقيمة 22.3 مليون دولار، بجانب إنشاء مراكز لتأهيل معلمي التعليم الفني بـ16 مليون دولار من البنك نفسه.
 
وقال للجزيرة نت إن المساعدات الفنية الأجنبية للتعليم الفني تأثرت بالوضع الحاصل في السودان مما دفعها إلى التوقف "لعدم وجود آليات للولايات السودانية للاتصال بالخارج". 
 
وبعد 12 عاما من مغادرته مقاعد الدراسة عاد الشاب إبراهيم عبد القادر من بوابة التعليم الفني لأجل الحصول على مهنة تصبح عنوانه في الحياة وتعينه على متطلباتها وشهادة تفتح له أبواب سوق العمل المغلقة، وفق تعبيره.
 
ويقول للجزيرة نت إنه عمل في مهن مختلفة منذ فارق مقاعد الدراسة، ليواجه مشكلة عدم الاستقرار الوظيفي وقلة العائد فشعر بـ"انسداد الأفق"، واتخذ قرارا بالعودة إلى مقاعد الدراسة للحصول على شهادة فنية.
 
وفي رأي إبراهيم فإن التعليم الفني هو المدخل الوحيد لوظيفة مضمونة في سوق العمل السوداني في ظل تنافس آلاف الخريجين في التخصصات الأخرى على فرص قليلة.
 
ويضيف أنه لا يمكن مقارنة أعداد مدارس ومعاهد التعليم الفني في البلاد بعدد المدارس الأكاديمية، رغم الحاجة للتعليم الفني التقني في السودان.
 
إقبال كبير
من جهته أشار وكيل مدرسة كوبر للتعليم الحرفي معتصم الدرديري إلى أن التعليم الفني في السودان أصبح يستوعب أعدادا كبيرة من الطلاب في مختلف المهن والحرف "بعد المعاناة التي واجهها لسنوات من قلة الراغبين وإهمال حكومي كبير".

 إبراهيم عبد القادر عاد للتعليم الفني بعد 12 عاما من مغادرته الدراسة (الجزيرة نت)

ونفى الدرديري تدني المستوى الفني لخريجي التعليم الفني رغم عدم حصوله على ذات الاهتمام والدعم الموجه للتعليم الأكاديمي، ومع إقراره بقلة عدد المدارس الفنية فإنه أشار إلى أنها مجهزة "بحيث يحصل الطالب على التدريب الكافي في تخصصه ويجد فرصة في سوق العمل".

وتابع "ندرب طلابنا في المصانع، وهي تتجه إلينا عند رغبتها في العمالة الفنية للتخصصات المختلفة"، معتبرا ذلك دليلا على كفاءة التعليم الفني.
 
ويشكو مدير شؤون العاملين بمصنع فوز للصابون ومستحضرات التجميل عمر حداد من نقص العمالة الفنية المدربة بسوق العمل، ويرى أن الظاهرة تشكل خطرا حقيقيا على الصناعة في السودان.
 
وقال للجزيرة نت إن المصانع تفقد بشكل متكرر أفضل كوادرها الفنية ممن يمتلكون خبرات متراكمة بسبب الهجرة ولا تستطيع تعويضهم أبدا "لأن المعاهد الفنية قليلة ومن تخرجوا فيها بحاجة لصقل وتدريب عملي مكثف".
 
وأضاف أنه "حتى هؤلاء يسارعون إلى الهجرة خلال أعوام بعد أن ينالوا الخبرة الكافية في مجالاتهم، ولا نستطيع أن نوفر لهم البديل المالي المناسب".
 
وتوقع استمرار الظاهرة بكل تبعاتها على المصانع المحلية، رغم المعالجات المالية التي تقدمها لأجل الحفاظ على العمالة الفنية المدربة، ما دام التعليم الفني على حاله والضائقة الاقتصادية مستمرة.

المصدر : الجزيرة