فجأة ومن دون مقدمات وجد أهالي سيناء أنفسهم أمام "غربة إجبارية" تفرضها الحملات الأمنية بدعوى مواجهة الإرهاب، وتتنوع فصول وتفاصيل تلك التغريبة وتتوالى يوما بعد آخر بين هدم، وتهجير داخل سيناء، ونزوح إلى "الوادي" ليجد المواطن السيناوي نفسه غريبا هناك.

عبد الرحمن أبو الغيط - القاهرة


دفعت الحملة الأمنية التي يقودها الجيش المصري ضد المجموعات المسلحة في سيناء بكثير من الشباب السيناوي إلى الهجرة من هناك إلى محافظات وادي النيل.

ورغم تعود الأهالي على هدوء الصحراء ونقائها، فإن البقاء في تلك المناطق أصبح محفوفا بالمخاطر، بعد انتشار عمليات "الإعدام الميدانية"، التي تنفذها قوات الجيش ضد من تعتقد أنهم عناصر "إرهابية" وكذلك الإعدامات المشابهة التي تنفذها عناصر أنصار بيت المقدس ضد من تعتقد أنهم متعاونون مع الجيش.

وقال الشاب السيناوي محمد صبري (27 عاما) للجزيرة نت "هربت من العريش للنجاة بحياتي، لكن هويتي السيناوية طاردتني في شوارع القاهرة، فمجرد الانتماء إلى شمال سيناء يعني الاعتقال عند المرور بأي كمين أمني، أو التعرض للإهانة وسحب البطاقات للتأكد من أننا غير مطلوبين أمنيًّا".

لعنة الهوية

الأبوز: الفترة الوحيدة التي شهدت عملية تنمية هي فترة حكم الرئيس المعزول مرسي (الجزيرة)
وأضاف صبري وهو محاسب أنه حاول الحصول على فرصة عمل "لكن هويتي طاردتني مرة أخرى، فرفضت الكثير من الشركات توظيفي عندما علمت أنني من سكان العريش بسبب الصورة التي رسخها الإعلام في الأذهان تجاه أهل سيناء، بأنهم إرهابيون يقتلون جنود الجيش والشرطة ووجدت نفسي في النهاية مضطرا لتغيير محل إقامتي في البطاقة حتى أستطيع الحصول على فرصة عمل، لم تأتي حتى الآن".

واختتم صبري حديثه للجزيرة نت بالقول إن اعتقاد غالبية القاهريين أنه من مواطني دول الخليج أو ليبيا بسبب لهجته، يزيد من إحساسه بالغربة في وطنه.

أما عادل فراج (35 عاما) الذي يعمل في التجارة فقال "إن الركود الذي خلفه حظر التجول، أدى إلى تراكم الديون على العاملين في القطاع الخاص وأصحاب المشاريع الصغيرة مما جعل سيناء منطقة طاردة للاستثمار".

وأضاف "نظرا للظروف المعيشية الصعبة، وانتشار عمليات الإعدام الجماعية التي تنفذها قوات الجيش وعناصر أنصار بين المقدس، اضطررت لمغادرة سيناء مع أسرتي للنجاة بحياتنا ومواصلة نشاطي التجاري".

وتابع "ليس الربح والخوف من القتل، ما دفعنا للهجرة، لكن مستقبل ابني التعليمي الذي أصبح مجهولًا، بعد توقف الدراسة في رفح والشيخ زويد إلى أجل غير مسمى، بسبب انقطاع المعلمين عن العمل بشكل شبه جماعي، خوفا على حياتهم".

ويشكو فراج "عنصرية" بعض المواطنين في التعامل معهم، بسبب الصورة الذهنية لدى كثير من "أهالي الوادي" تجاه السيناوية، متهما وسائل الإعلام بالمشاركة في تشويه صورة أبناء سيناء بشكل كبير.

 أبو النور: أهالي سيناء تحملوا أكبر قدر من الظلم والتهميش (الجزيرة)

تهميش وإهمال
ويقول الباحث السياسي محمد محسن أبو النور، إنه منذ تحرير سيناء في أعقاب حرب أكتوبر 1973، "تحمل شعبها أكبر قدر من الظلم والتهميش، مما أثر على معدلات التنمية التي وصلت في بعض مؤشراتها إلى الصفر".

ويضيف إلى ذلك الفقر وانعدام الخدمات باعتبارها "عوامل ساهمت في تغير السلوك الاجتماعي والسياسي لأبناء سيناء وبالتالي تحولوا إلى صيد سهل للجماعات التكفيرية أو العصابات المنظمة في مجال الجريمة والتهريب".

ويرى أنه في ظل "استمرار الفقر والتهميش، واستهداف المدنيين خلال المواجهات بين الجيش والتنظيمات المتطرفة، لم يجد أهالي سيناء حلا سوى الهرب إلى أماكن أكثر أمنا" .
 
أما الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي عمرو الأبوز، فيرى أن الشباب السيناوي "يهاجر قسرا، بعدما عاين كل أنواع القهر والإجحاف من مؤسسة الجيش منذ الانقلاب العسكري بدعوى الحرب على الإرهاب، فلم يكتف بحصار سيناء وحرمانها من التنمية منذ معاهدة كامب ديفد في 1979، وإنما اتجه إلى مزيد من التخريب".

وأشار إلى أن قيمة العقارات والمزارع والمشروعات الخاصة والعامة التي هدمها الجيش في منطقة رفح المصرية، لإقامة المنطقة العازلة، تتجاوز 3 مليارات جنيه.

ونبه إلى أن الفترة الوحيدة التي شهدت فيها سيناء خطة تنمية حقيقية "كانت إبان عهد الرئيس المعزول محمد مرسي، الذي خصص لها 4 مليارات جنيه من موازنة العام المالي 2012-2013، وأطلق جهازا خاصا لتنمية سيناء، لكن الانقلاب لم يمهل مرسي فرصة لإنجاز تنمية حقيقية في سيناء".

المصدر : الجزيرة