تحت عباءة الدين، تجول الكنسية المصرية وتصول في شؤون الدنيا وتسفه الثورة لدعم النظام المصري وفق مراقبين حذروا القساوسة من غواية السياسة، في وقت بارك فيه البعض تصدرهم للشأن الوطني وانحيازهم للنظام الجديد.

يوسف حسني-القاهرة

في الوقت الذي تشهد فيه مصر طقسا باردا، تهب من داخل الكنيسة المصرية رياح ساخنة، فقد وصف الأنبا بولا ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بأنها "تسونامي" جاءت لتدمير كل شيء.

وقال بولا -وهو راعي كنيسة طنطا- إن أحداث ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 كانت "ثورة من السماء"، واتهم جماعة الإخوان المسلمين بالسعي لتجويع المصريين حتى تعود للحكم.

وبينما يُتهم الإسلاميون المعارضون بخلط الدين بالسياسة، يبدي رجال الكنيسة المؤيدون للنظام آراءهم على نحو قد يؤجج فتنة طائفية في البلاد، وفق نشطاء.

عضو الهيئة العليا لحزب الوسط نيفين ملك قالت للجزيرة نت إن المؤسسات الدينية تستخدم حاليا لتكريس حكم الفرد، لأن خلط الدعوي بالسياسي كان من أبرز الانتقادات الموجهة للتيار الإسلامي عقب ثورة يناير، والآن يمارس رجال الكنيسة هذا الأسلوب دون أن ينتقدهم أحد، بحسب تعبيرها.

واستغربت ملك وصف الأنبا بولا لثورة يناير بالتسونامي، قائلة إنه هاجم الثورة الحقيقية التي خرج فيها الشعب رافعا مطالب مشروعة ضد نظام فاسد.

ملك: موقف الأزهر والكنيسة لا يتسق مع مطالب الشباب المسلم والمسيحي (الجزيرة)

عودة للاستبداد
وأضافت أن مصر كانت تقترب من بناء دولة المؤسسات والقانون والديمقراطية بعد ثورة يناير، ثم عادت إلى الحكم الشمولي السلطوي المستبد بعد 30 يونيو.

لكنها أكدت أن موقف الأزهر والكنيسة لا يتسق مع مطالب الشباب المسلم والمسيحي، لأنهم ينشدون التغيير والتعددية بينما "رجال الدين يكرسون حكم الفرد".

وقالت إن تصريحات راعي كنيسة طنطا لا تمثل كل المسيحيين وإن رضي بها بعضهم، وفق تعبيرها.

في السياق نفسه، وصف عضو جبهة طريق الثورة هاشم يحيى تصريحات الأنبا بولا بأنها غير مسؤولة، وأضاف للجزيرة نت أن سعي الكنسية لتحقيق مكاسب سياسية جعلها تهاجم الثورة التي منحت رجالها الحق في الكلام وإبداء الرأي، على حد قوله.

ورأى أن هذه التصريحات تعني أن الكنيسة أصبحت دولة وليست مؤسسة، وهو أمر يزيد الاستقطاب ويعزز التطرف، وفق تقديره.

أما عضو ائتلاف شباب الثورة صفوان محمد، فأكد أن تصريحات كهذه "لم تعد مستغربة من قساوسة الحاكم أو شيوخه، فوظيفة الكنيسة والأزهر أصبحت حمل المباخر للرئيس عبد الفتاح السيسي".

لكنه أشار إلى أن "تملق الكنيسة للسيسي" لا يعني رضا كل المسيحيين عنه، لأن بعض شبابهم يرفضونه وممارسته القمعية ولم ينسوا أنه قتل إخوة لهم في ماسبيرو.

أما الشاب حسن فاروق الذي شارك في ثورة يناير، فعبر عن استيائه من التصريحات التي تؤكد أن الكنيسة باتت تلعب دورا سياسيا واضحا، بحسب تعبيره.

محمد: "تملق" الكنيسة للسيسي لا يعني رضا كل المسيحيين عنه (الجزيرة نت)

وقال للجزيرة نت، إن متطرفين إسلاميين حاولوا تصوير ثورة يناير على أنها إسلامية بينما يحاول متشددون مسيحيون ترسيخ فكرة أن أحداث 30 يونيو ثورة مسيحية جاءت برئيس مسلم ديمقراطي.

دور وطني
في المقابل، قال نائب رئيس مركز الاتحادية لدراسات شؤون السياسة محمود إبراهيم، إن تصريحات رجال الكنيسة تمثل وجهة نظرهم التي يحق لهم إبداؤها، وليست خلطا للدين بالسياسة.

وأضاف أن رجال الكنسية يستشعرون خطورة اللحظة التي تعيشها مصر، ويحاولون القيام بدورهم الوطني في توعية الناس وتطمينهم.

وأضاف إبراهيم أنه "مثل كثيرين" يرى أن ما حدث في يناير لم يكن ثورة، وإنما "حالة غضب استغلتها قوى التطرف للسيطرة على الدولة ووصلت للسلطة حتى جاءت 30 يونيو فأنهت الفوضى".

وخلص إلى أن زيارة السيسي للكاتدرائية طمأنت المسيحيين الذين "حرق الإخوان كنائسهم، ومن ثم فإن رجال الكنيسة يسعون لتطمين شعبهم بأن فوضى يناير قد انتهت وأن 30 يونيو خلقت الاستقرار".

تجدر الإشارة إلى أن بابا الكنيسة كان أحد المشاركين في مشهد إعلان الانقلاب على الرئيس المعزول محمد مرسي في يوليو/تموز 2013. كما شاركت الكنيسة في وضع الدستور الجديد وأعلنت تأييدها لعبد الفتاح السيسي في انتخابات الرئاسة في مايو/أيار الماضي.

المصدر : الجزيرة