من جديد تتشابك السياسة بالقانون في تركيا وتتداخل صلاحيات المشرعين والقضاة. وبينما اتهم البعض حكومة أردوغان بتوظيف البرلمان للجم القضاء عن محاسبة وزراء سابقين "متورطين" بقضايا فساد، رد آخرون بأن المعارضة تريد توظيف الموضوع في معركة الانتخابات.

خليل مبروك-إسطنبول

يسود جدل واسع الشارع التركي حيال قرار لجنة التحقيق البرلمانية القاضي برفض إحالة أربعة وزراء سابقين متهمين في قضايا فساد للمثول أمام المحكمة العليا.

وأيد بعض المراقبين الأتراك قرار اللجنة باعتباره "إبعادا للقضية عن التوظيف الحزبي قبيل المعركة الانتخابية المقبلة"، في حين عارضه آخرون قائلين إنه يدعم الرئيس رجب طيب أردوغان لأن الاتهامات للوزراء اعتبرت وقتها "فضيحة" هزت دائرة المقربين منه.

ويزداد تشابك الخلفيات القانونية والسياسية في المشهد مع اعتقال 22 ضابط شرطة للاشتباه في تورطهم بعملية تنصت على سياسيين وموظفين عموميين ورجال أعمال دون مسوغ قانوني.

وتنسجم الاعتقالات مع الاتهامات التي وجهتها الحكومة لجماعة فتح الله غولن باستخدام نفوذها بسلك الشرطة في عمليات تنصت وتلفيق اتهامات كيدية ضد الحكومة التي كان يرأسها أردوغان.

وتعود جذور القضية إلى 17 ديسمبر/كانون الأول 2013، حين شمل التحقيق بالفساد وتلقي الرشاوى الوزراء الأربعة الذين اضطروا للاستقالة، إلى جانب شخصيات اقتصادية وسياسية مقربة من الحكومة.

أوزغان: المعارضة ستستغل الموقف سياسيا دون اعتبار لطبيعته القانونية (وكالات)

تحييد السياسة
واعتبر الإعلامي والمحلل السياسي مصطفى أوزغان رفض اللجنة البرلمانية إحالة الوزراء للقضاء جزءا من الظلال السياسية التي تسود المشهد التركي قبيل أشهر من الانتخابات البرلمانية المقررة في يونيو/حزيران المقبل.

وقال أوزغان للجزيرة نت إنه إذا تم تحويل الوزراء للقضاء فإن المعارضة ستوظف ذلك في دعايتها ضد الحكومة بغض النظر عن مدى سلامة إجراءات التوقيف وما ستؤول إليه قرارات القضاء.

ولا تملك أي جهة قضائية غير المحكمة العليا صلاحية النظر في قضايا الوزراء السابقين الأربعة نظرا للحصانة البرلمانية التي يتمتعون بها.

وقد قطع قرار لجنة التحقيق البرلمانية الطريق على المحكمة العليا للنظر في القضية أيضا.

ووفقا لأوزغان، فإنه لا يوجد ما ينفي أو يؤكد تورط الوزراء أو بعضهم في قضايا فساد، لكن المعارضة ستستغل الموقف سياسيا دون اعتبار لطبيعته القانونية.

واعتبر إبعاد القضية القانونية عن المشهد في هذه المرحلة مصلحة لتركيا بهدف حماية المجتمع من الدعاية السياسية، على أن تتم معالجتها بعد انتهاء الانتخابات.

وكانت لجنة التحقيق البرلمانية المؤلفة من 14 نائبا اتخذت قرارها بعدم عرض الوزراء السابقين على المحكمة بموافقة تسعة أعضاء من حزب العدالة والتنمية، ومعارضة أربعة من الشعب الجمهوري وخامس من الحركة القومية.

وسيصوت البرلمان التركي على القرار النهائي في عملية اقتراع سرية يتوقع أن تفضي إلى المصادقة على قرار اللجنة نظرا لتمتع العدالة والتنمية بالأغلبية المطلقة المريحة داخل المجلس.

أولغان: الحكومة تريد إخفاء الحقيقة عبر إبعاد المتهمين عن ساحة القضاء (وكالات)

إخفاء الحقيقة
وقال المحامي جلال أولغان إن الحكومة التركية تريد إخفاء الحقيقة عبر إبعاد المتهمين بارتكاب جنايات عن ساحة القضاء.

وأوضح أنه يصعب على القضاء أن يصدر أحكاما مخالفة لقرارات اللجان البرلمانية بمقتضى الأخلاق السياسية.

وردا على سؤال للجزيرة نت، أوضح أولغان أن التحقيق مع الوزراء السابقين من قبل لجنة برلمانية يشير بحد ذاته إلى قوة الأدلة والاتهامات الموجهة لهم.

وأضاف أنه لو لم تكن الاتهامات قوية ومستندة إلى الأدلة لما جرى من الأساس التحقيق من قبل لجنة متخصصة في البرلمان.

كما أشار إلى أن رفض إحالة الملف للمحكمة العليا هو قطع للطريق على دور القضاء، مؤكدا أن نواب العدالة والتنمية سبق أن رفضوا طلبات لنواب المعارضة للتحقيق في قضايا مع وزراء آخرين.

وكانت أحداث 17 ديسمبر/كانون الأول 2013 التي استقال في خضمها الوزراء الأربعة قد فجرت المواجهة بين حكومة العدالة والتنمية وجماعة فتح الله غولن فيما عرف لاحقا بملف "الدولة الموازية".

وتلاحَق الجماعة منذ ذلك الوقت بتهمة محاولة تنفيذ انقلاب عبر اعتقال عدد كبير من المقربين من الحكومة بدعوى تورطهم بقضايا فساد.

المصدر : الجزيرة