في خطابين لا يفصل بينهما سوى أيام قليلة، جاء خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمس بالكنيسة ودودا بعكس خطابه بذكرى المولد النبوي الشريف. وفيما احتفى الإعلام المصري بالزيارة ورحب بها محللون مؤيدون للسيسي، اعتبرها آخرون خطوة لتغييب الهوية المصرية.

يوسف حسني-القاهرة

في زيارة هي الأولى لرئيس مصري، زار الرئيس عبد الفتاح السيسي الكاتدرائية المرقسية لحضور قداس عيد الميلاد وتهنئة المسيحيين والقيادات الكنسية بالعيد، بعد أيام من خطاب حاد في ذكرى المولد النبوي الشريف.

وفاجأ السيسي المحتفلين بدخوله للكاتدرائية أثناء القداس، وقد استقبله الحاضرون بحفاوة ملحوظة، ربما لأنهم لم يتوقعوا حضوره.

لكن اللافت أن السيسي بدا هادئا بالكاتدرائية، وتحدث عن الوحدة الوطنية، وقال إن مصر علّمت العالم الحضارة والإنسانية، وستعلمه من جديد. كما خاطب الحاضرين قائلا "أنا جيت انهارده عشان أقولكم كل سنة وإنتو طيبين".

واختلف حديث الرجل بالكاتدرائية كثيرا عن حديثه في الاحتفال بالمولد النبوي الشريف قبل أيام قليلة، الذي بدا فيه منفعلا وهاجم المقدسات قائلا "إن هناك نصوصا دينية تتعارض مع الدنيا، كما أن مليار مسلم يريدون قتل باقي سكان العالم لكي يعيشوا وحدهم، نحن بحاجة لثورة دينية".

عبد المنعم: الزيارة تؤكد سعي النظام لتغييب هوية مصر الإسلامية (الجزيرة)

تغييب للهوية
الكاتب الصحفي والمحلل السياسي عامر عبد المنعم قال للجزيرة نت إن "الزيارة تؤكد سعي النظام لتغييب هوية مصر الإسلامية، ولتحقق هدف الكنيسة المؤجل في أن تصبح كيانا سياسيا وليس دينيا"، مشيرا إلى أن الرئيس المخلوع حسني مبارك "لم يفعل هذا رغم ما قدمه من تنازلات".

وأوضح عبد المنعم أن ابتهاج السيسي وحديثه من داخل الكنيسة يناقضان تجهمه وحديثه خلال الاحتفال بالمولد النبوي، الذي بدا فيه غاضبا واتهم المسلمين بمحاولة قتل الآخر سعيا لتغيير ثوابت المصريين الفكرية، وفق تصوره.

وتابع "نحن بصدد أقلية سياسية تسعى لمحو أغلبية سياسية، وتشكيل دولة جديدة بمنهج جديد، في لحظة تاريخية حرجة، كما أن البابا تواضروس الثاني يرى نفسه زعيما سياسيا لا دينيا، ويراهن على استقرار زائف للنظام، وهو ما سيؤثر سلبا على الكنيسة وشعبها إذا تغيرت الأمور".

الرأي نفسه ذهب إليه الكاتب الصحفي ومنسق حركة "صحفيون ضد الانقلاب" أحمد عبد العزيز، الذي قال للجزيرة نت إن حديث السيسي بالكاتدرائية وفي احتفال المولد النبوي "سياسي بامتياز".

وأكد عبد العزيز أن لغة الحديث في الاحتفالين لها خلفية سياسية، مضيفا أن مخاوف السيسي من جماعة الإخوان المسلمين دفعته لمحاولة الحشد ضد التيار الإسلامي بصفة عامة، واتهام كافة المسلمين بالإرهاب، وجعلته يضرب ثوابت العقيدة، وفق تصوره.

وأشار إلى أن مخاوف السيسي السياسية، ورفض كثير -بينهم مؤيدون له- لاستعانته برجال الحزب الوطني المنحل، دفعته للتودد للمسيحيين الذين دعموه في انقلابه على الرئيس المعزول محمد مرسي، لكنه تكلم بلغة قد تشعل فتيل فتنة وتفرز جماعات متشددة.

منشاوي: حضور السيسي قداس عيد الميلاد لفتة ذكية ورسالة طمأنة للمسيحيين (الجزيرة)

ترحيب
وفي المقابل أثنى سياسيون ومحللون على الزيارة واعتبروها "رسالة محبة وتسامح". كما دشن مؤيدون للسيسي وسما (هاشتاغا) على موقع تويتر بعنوان "السيسي في الكاتدرائية"، حمل كثيرا من الثناء على الزيارة. وقال الأمين العام لحزب العدل عبد المنعم إمام في تصريح صحفي "السيسي قدم بهذه الزيارة رسالة للعالم بأن مصر بلد المحبة والوحدة الوطنية الحقيقية".

في حين وصف البابا تواضروس الثاني، الذي قطع مراسم القداس فور دخول السيسي وصعد به إلى المذبح، الزيارة بأنها "مفاجأة سارة ولفتة إنسانية كريمة".

وفي السياق نفسه قال المحلل السياسي إبراهيم منشاوي إن حضور قداس عيد الميلاد "لفتة ذكية ورسالة طمأنة للمسيحيين، وتأكيد على أنه يسعى لتضييق الفجوة بين النسيج الشعبي".

وفي حديثه للجزيرة نت وصف منشاوي مطالبة السيسي للأزهر بإحداث ثورة دينية بأنه دفاع عن الإسلام المعتدل الذي يمثله الأزهر، في مواجهة جماعات تتخذ من الإسلام وسيلة للقتل وتحقيق مكاسب سياسية، كما أن "الهجوم في احتفال المولد النبوي كان على الإرهاب والإرهابيين، وليس على الإسلام والمسلمين، كما يروج البعض".

ومن جهته اعتبر أستاذ الطب النفسي الدكتور أحمد عبد الله أن الزيارة سيكون لها أثرها على المسيحيين، الذين يمثلون جزءًا كبيرا من تحالف 30 يونيو/تموز الذي جاء بالسيسي للحكم. وأكد للجزيرة نت أن خطابه الهادئ بالكاتدرائية "يعكس عدم خوفه من هذا المكون الذي لا يمثل أي خطر عليه، بينما يعكس خطابه في ذكرى المولد النبوي قلقا من التيار الإسلامي الذي يمثل منافسه الوحيد تقريبا".

ووصف عبد الله خطاب السيسي بالكاتدرائية بأنه "ذكي"، قائلا إنه "يمارس معهم تسامحا لا ينال من نظامه السياسي، كما أنه يؤكد للداخل والخارج محاربته للتشدد وتبنيه خطابا تنويريا وسعيه لإحداث ثورة فكرية".

وخلص إلى أن ما فعله السيسي في المناسبتين يعني أنه التقط فرصا كانت ملقاة على رصيف السياسة، ولم يلتقطها النظام السياسي بعد ثورة يناير/كانون الثاني 2011، ومن ثم يمكن القول إنه بدأ يخاطب المسلمين التنويريين من جهة، وشعب الكنيسة من جهة أخرى، مدفوعا بوضعه السياسي المتأزم.

المصدر : الجزيرة